فهرس الكتاب
إن ترجمات القرآن الكريم إلى اللاتينية في هذه الأزمنة المتقدمة كانت مشوبة بالتعصب الكنسي ضد الإسلام والرسولل عليه الصلاة والسلام . وتميزت هذه الترجمات بالعديد من السقطات كاستنباط العديد من المبادئ الإسلامية التي تخالف الشريعة الإسلامية نتيجة للترجمة الفاسدة ، ومنها أيضاً كثرة التصرف في هذه الترجمات كالحذف والتغيير والتبديل والتقديم والتأخير طبقاً لهوى المترجمين . ومنها تصيد القراءات الشاذة ومحاولة تفسيرها بحجج تتلاءم وما جبلوا عليه من التهجم على الإسلام والرسولل ، ومنها أن جل هذه الترجمات أكدت دون أي سند أن القرآن الكريم من وضع صلى الله عليه وسلم وأنه ليس منزلاً ويشوبه التناقض (45) .
بل أن الكنيسة كانت تصاب بالرعب من وجود طبعات عربية للقرآن لخوفها من أن يطلع الأوروبيون على القرآن كما هو ، ولذلك نراها تسارع بإحراق جميع النسخ لأول طبعة عربية للقرآن التي طبعت في البندقية عام 1530 ، بل لم يعثر حتى الآن لأي أثر لهذه الطبعة (46) ، وهذا يدل على فداحة الجريمة التي اقترفت بحق القرآن من جراء الترجمات اللاتينية والأوروبية التي بدأت من ترجمة بطرس المحترم . فلا نعجب إذن من الكتابات اللادينية عندما يتفتق ذهن أحدهم بأن القرآن يقول بوجود آلهة أخرى عندما يقرأ قوله تعالى ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (47) . فهذا إنما هو إرث كنسي من جراء التعليم التنصيري الذي شوه تعاليم الإسلام بتلك الترجمات الغربية للقرآن الكريم .
ولقد صنف الدكتور إبراهيم عوض كتاباً عن الترجمات الفرنسية للقرآن عنوانه (المستشرقون والقرآن) فضح ما فيها من أخطاء وتلفيقات وتلاعبات كثيرة جداً ، كما ألفت الدكتورة زينب عبدالعزيز كتاباً آخر في فضح ترجمة جان بيرك الفرنسي للقرآن وبيان ما فيها من اخطاء وسقطات مريبة .
وبدءاً من القرن الثاني عشر الميلادي فإن أسطورة الغرب المعروفة ضد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أو تلك التي تضفي عليه صفة الاحتيال قد بدأت تكتسب شكل الإصرار المريض والملح . ونذكر من الأمثلة على ذلك جاك دي فيتري J.de Vit r y (توفي 1244) الذي أكد أن الشيطان قد زود الرسول عليه الصلاة والسلام بسادة ومعاونين من الشياطين . ومارتيه بولنكو M. Polonco (توفي 1274) الذي أضفى على النبي صفة رئيس عصابة متحالف مع الشيطان الذي أملاه ديانته ، وفنسان دي بوفيه (1190-1264) V.de Bouvais صاحب موسوعة سبيكولوم Speculum والذي تناول سير النبي بوصفه"ذلك الأفاق واحتيالاته"، وبيير بسكازيو (1228 - 1300) P. Pascasio الذي ابتدع قصة ذلك الذي حاول أن يصبح كردينالاً وفشل فابتدع عقيدة جديدة انتقاماً ، وهي فرية تناقلتها الأقلام طويلاً . وما أكثر الرهبان الذين تناولوا هذا المعطى السخيف والمبتذل معاً (48) . ونذكر كذلك بارشو لوميو الرهاوي من مدينة الرها (توفي في القرن الثاني عشر الميلادي) والذي تركزت جدليته في أن صلى الله عليه وسلم أخذ القرآن عن راهب نسطوري حيث يقول الرهاوى:"فعندما شهد ذلك الراهب الفاسق سذاجة القوم رأى أن يمنحهم عقيدة وشريعة على غرار مذهب أريوس وغيره من ألوان الكفر والزندقة التي حرم من أجلها فراح يسطر كتابا هو الذي يسمونه القرآن ، وهو شريعة الله ناثراً فيه كل ما أودع من مروق .... وعند ذلك أعطى كتابه لتلميذه ( مؤمد ) وأبلغ أولئك البلهاء أن ذلك الكتاب أنزل على محمد من السماء حيث كان في حفظ جبريل الملك فصدقوه فيما قال ، وبذلك مكّن الراهب لذلك القانون الجديد" (49) .
وينضم القديس توما الأكويني (Thomas von Aquin (1226- 1274 وهو أحد أهم رجالات الكنيسة في أوروبا إلى قافلة الملفقين ، فها هو يصف الإسلام في كتاباته بأنه دين زائف وهرطقة ، وأنه يحتوي على الشهوانية ، ويمزج الحقيقة بالأساطير والعقائد الباطلة ، وأن نبوة صلى الله عليه وسلم لم تؤيد بالمعجزات ، وأن أصحابه لم يكونوا على معرفة بالأمور الإلهية ، بل كانوا من الهمج المتوحشين والبدو ساكني الصحراء ، وأنه بالكثرة العددية لأتباعه استطاع أن يفرض الإسلام على الناس بالقوة الحربية(50) . وفي كتابه (الشامل في الرد على الكفرة) الذي مهد الطريق أمام العمل التبشيري في أسبانيا للدفاع عن المسيحية والطعن في الإسلام يقول توماس الأكويني:"أن ماحوميت (محمداً) قد أغوى الشعوب من خلال وعوده لها بالمتع الشهوانية" (51) .