أيمن خالد
القدس عنوان معاصر للمرحلة مثلما كانت عنواناً للمراحل التاريخية الهامة المتعاقبة عليها، وكما أن إخضاعها كلياً يعتبر مطلباً يهودياً فإن ذلك كان مطلب الإمبراطوريات التي مرت عليها عبر التاريخ، إذ كانت تعني القدس ولا تزال بوابة الهيمنة على الرقعة الجغرافية الأهم في الكون، هذه الجغرافيا التي تصل الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب، بل وأكثر من ذلك فإنها تصل الماضي بالمستقبل بالحاضر المنبثق عن الأماني والتخيلات، فهي حاضرة منذ ما قبل التاريخ في أحلام الطغاة، ومستمرة بهذا القدر من الأهمية استمرار الحياة ذاتها، فالعالم ظل يتقبل زوال أي مدينة عن خريطة الكون، ويتقبل إجراء التحولات السياسية على مدنه المختلفة، لكن العالم لا يكون أفضل إلا عندما تكون القدس في أيدٍ أمينة، فهي بذلك تشكل ضمير الكون الحي، والمساس بها يتحول إلى شرور تطال ويلاتها كافة الأمم.
البابا أوربان الثاني أراد صناعة قيمة دينية للقدس في عقل مسيحيي اللاتين في الغرب، وأراد من خلال ذلك توجيه أوروبا الغارقة في الاقتتال الداخلي نحو الخارج لكي تخوض معاركها بأيدي فرسانها المختلفين والمتحاربين باستمرار، ولكن متفقون هذه المرة على عدو جديد صنعته الكنيسة في الأفق، حيث بالإمكان صب الأحقاد على المسلمين من جانب، وخلق حالة من الاستقرار والهدوء في أوروبا من جانب آخر.
فخروج الفرسان وأمراء الحروب من أوروبا سيتيح للكنيسة الفرصة التاريخية في إعادة سلطانها، وفرض هيبتها وسطوتها على شعوب القارة، وبعبارة أخرى لقد استخدم الرهبان اسم القدس ليس في تهدئة الحروب في داخل القارة ونقلها إلى عدو جديد استعدته الكنيسة، وإنما استخدم هذا العنوان أيضاً لتثبيت سلطة الكنيسة على القارة الأوروبية بأكملها، وليؤدي الرهبان فيما بعد دور الأباطرة في صناعة الحروب وقيادة الجيوش.
وهي قيمة لم تكن متاحة من قبل بما يرضي جشع وغرور الرهبان، خصوصاً وأن الفرسان كانوا قد سرقوا الكنائس أثناء اقتتالهم فيما مضى، وأصبحت خزائن الكنيسة بما فيها من كنوز يتناولها الفرسان في طريقهم أثناء تصفية الحسابات مع بعضهم البعض، وهو ما جعل الكنيسة تخشى على مستقبلها ومستقبل سطوتها في أوروبا، فأرادت إحياءً دينياً عاماً يعمل على إحاطة الكنيسة بهالة من القداسة من جديد، ويكسبها سلطاناً لا يستطيع الأمراء منافستها عليه، وهو الأمر الذي جعل أوروبا تتوحد وراء رجل الكنيسة الماكر أوربان الثاني الذي فتح حرباً استمرت لقرون عديدة قضى فيها مئات الآلاف من مسلمين وإفرنج، ولا تزال تداعيات تلك الحرب مستمرة حتى عصرنا الحالي.
الغرب وراء الأسوار:
تميزت تلك الحقبة الهامة من التاريخ برفع الأسوار ليس تلك التي كانت تحيط المدن والمشكلة من الحجارة فحسب، وإنما أسوار من نوع مختلف تميزت برفع جدار ثقافي هائل أرادت الكنيسة من خلاله منع التواصل الثقافي بين أوروبا والمسلمين، وهو أمر كانت بالأصل تمارسه الكنيسة، إنما سيكسب بعد اليوم بعداً جديداً بإضافة بحر من الدماء وظيفته عزل الغرب المسيحي ومنعه من التواصل مع الشرق الإسلامي، حتى لا ينال الوجه الغربي نصيبه من البشارة الإسلامية كما كان يحدث في أفريقيا والهند وغيرها آنذاك، حينما أخذ الإسلام يتحول إلى مكون ثقافي أساسي لتلك الشعوب التي بدأت بالتوجه نحو الإسلام، فاكسبها صبغة إسلامية، وأخرجها من ظلمات الجهل، وعصور الخرافة.
تلك الخرافة التي كان يجب أن تستمر لتبقى جزءاً من المكونات النفسية للإنسان الأوروبي حتى تسهل عملية قيادته واستمراره طيعاً للكنيسة، والتي كانت حتى نصوصها الدينية محظور على العامة تداولها أو قراءتها أو حتى معرفتها، حيث الكاهن يقرر ما يشاء، ويغفر لمن يشاء، ويعاقب من يشاء.
وكان أن عمل أوربان الثاني منذ مجيئه بالسير على خطوات سلفه فيما كان يعرف من إرسال أفواج الحجيج إلى بيت المقدس وهو حجيج غير موجود في صميم المسيحية، وتمت صناعته مؤخراً لأسباب عديدة كان الرومان يهدفون منه إلى إرسال الأعين، والاستمرار في مراقبة جيوش المسلمين التي كان همها على الدوام انتزاع القسطنطينية، والتي كانت بوابة الحرب على المنطقة العربية منذ نشأة الإمبراطورية الرومانية إلى أن فتحت أبوابها للمسلمين فيما بعد فحمتهم من الاندفاع الأوروبي عبر البر.
وأما اللاتين فكان الحج عندهم لغايات مختلفة حيث بعد المسافة، واضطرار قوافل الحج للعبور في أماكن وعرة يكثر فيها قطاع الطرق - سمة أوروبا تلك الأزمنة - والأمطار والثلوج، ريثما يصلون إلى القسطنطينية، حيث يصبح العبور إلى العالم الإسلامي متاحاً بيسر، فغاية الحج عند اللاتين كانت الخلاص من المجرمين والقتلة حيث كانت تفرض عليهم الكنيسة الذهاب في هذا المسير الشاق بحجة غفران ذنوبهم لافتقار الكنيسة للتشريع والقوانين الواضحة في صياغة المعاملات، وبالتالي قلما كانوا ينجون من القبائل التي تمارس الغزو والسلب، وهي قبائل كانت تحدث تأثيراً حتى لدى بعض الدول الأوروبية فكيف بسطوتها على قوافل صغيرة ممن يسمون بالحجاج.