كان من غير الممكن لدى الكنيسة أن تعمل على تجيش الجيوش، وشن الحرب على الإسلام لشعارات دنيوية فحسب، بينما واقع الأمر يقول أن الفرسان والأمراء كانوا في راحة تامة في حروبهم وسلبهم داخل أوروبا إذا ما قيس بحجم المخاطرة في الشرق، حيث مات عشرات الألوف قبل أن يرو شمس الشرق، ولولا المحفزات الدينية من ترهيب وترغيب لما أمكن دفع تلك الجيوش، خصوصاً أن حجم العقاب كان كبيراً على الذين رفضوا الخروج، فهم كانوا تحت وطأة ما تسميه الكنيسة بالحرمان الكنسي، بمعنى أن الكنيسة لا تغفر له مطلقاً، ولا يغفر الله لهم في السماوات، وهو وفق مسيحية بولس - يعني الهرطقة - مما يستوجب صاحبها في الأرض الموت حرقاً.
الصهيونية على ذات الخطى:
لهذا فإن التصعيد الديني كان الهدف منه هو سوق الناس باتجاه القدس، وإذا كانت الكنيسة قد وحدت الأطراف المتناقضة في أوروبا من خلال رفع شعار استرداد القدس؛ فإن الصهيونية وجدت في استخدام اسم القدس الوسيلة الأهم، ومحفزاً على جمع شتات اليهود لما تشكله القدس من حضور في التاريخ الإنساني العام، وفي التاريخ اليهودي المدعى، وما تحمله من أهمية ودلالات.
فأسقطت الصهيونية أسطورة أرض الميعاد وغير ذلك على المدينة وهو أمر لم يكن بجديد، ففكرة أرض إسرائيل وأرض الميعاد قديمة، وعندما غزا الأوروبيون أمريكا - وبالذات البروتستانت - بعد أن استدل كولومبس عليها اعتقدوا أنهم وجدوا أرض الميعاد التي وعد بها الرب بحسب التوراة الحالية، وكانت أمريكا بالنسبة لهم هي أرض إسرائيل، ولم تكن في حينها قد طرحت مشكلة اليهود في أوروبا، وكيفية الخلاص منهم.
وعندما جاء الاحتلال الصهيوني إلى فلسطين برزت أهمية القدس بالنسبة لليهود، وبدأ الترويج الصهيوني لأهميتها، بل إن المتتبع لسير الاستيطان الصهيوني يشاهد أولى المستوطنات قد أنشئت على مقربة من جدران مدينة القدس، وعندما دخل الاستعمار البريطاني إلى فلسطين كان أول ما أقدم عليه الصهاينة بالتعاون مع الإنجليز عام 1918 هو بناء الجامعة العبرية في القدس بغاية جذب الطلبة اليهود إلى هذه المدينة، ناهيك عن أن هذا الصرح الذي يفترض أنه صرح علمي قد عمل منذ إنشائه على تزوير الحقائق الجغرافية والتاريخية للمنطقة، فأعادت النخبة الصهيونية المثقفة تكريس أطماع الحاخامات في القدس، والعمل على الإعلاء من شأنها بالنسبة لليهود بغاية حشدهم في فلسطين، فوجدت الحركة الصهيونية في جمع اليهود تحت المظلة الدينية يعطي دفعاً قوياً لعملية الاستيطان، والتي كانت جوهر المسألة، وغاية الأمر بالنسبة للصهيونية.
القدس بين مرحلتين:
الظروف السياسية التي دخل بها الصهاينة لمدينة القدس مشابهة تماماً للظروف التي دخل بها الصليبيون، بل إن الصهاينة وجدوا في دخولهم إلى فلسطين سهولة ويسراً لم يتح من قبل للصليبيين الذين قطعوا مسافات شاسعة، وفقدوا عشرات الآلاف في الطريق قبل وصولهم إليها، فقد جاءت للصهاينة على طبق من ذهب، ولم يشعروا بعناء يذكر في احتلالهم لها.
الحالة السياسية التي سبقت مجيء الصليبيين تميزت بوجود تمزق كبير في صفوف الأمة الإسلامية وانقسامها، وبرز أوج هذا الانقسام حول القدس ذاتها، حيث أخذ الفاطميون بإشعال نار الفتنة، وقاموا باحتلال القدس من السلاجقة المسلمين الذين كانوا يرفعون علم الدولة العباسية، وحدث ذلك أثناء حرب السلاجقة المسلمين ضد الغزو الصليبي في أقاصي الشمال في إنطاكية، إذ اعتقد الفاطميون أن امتلاك القدس سيمنحهم الفرصة على المساومة وهي ما تمت فيما بعد ولكنها مساومة بشروط الغزاة، حيث تركت حامية الفاطميين المدينة مقابل سلامتها، وذبح الصليبيون أهل القدس دون رحمة ليكون ذلك نتاج أول مساومة على القدس منذ ارتدائها ثوبها الإسلامي.
الصهاينة اليوم يدركون قيمة القدس ودلالتها بالنسبة للمسلمين، ويدركون أن مشروعهم الاستعماري إنما يطول أمده إن تمكنوا من إخضاع القدس كلياً لما يعنيه ذلك من استمرار تفتت المسلمين، وضعف قواهم وبالذات الدينية، حيث يستوجب الإسلام أن لا تبقى القدس لحظة واحدة بيد اليهود، ولما يساوم العرب والمسلمون ويقبلون ببقائها تحت الاحتلال فإنما يعني ذلك بحد ذاته هزيمة لهم أمام تنامي المشروع الصهيوني والذي يرى في السيطرة على القدس اكتمالاً له، وهزيمة للأمة الإسلامية.
عنوان المواجهة المقبلة: