الأربعاء:18/09/2002
(الشبكة الإسلامية) دمشق ـ عبد الرحمن الحاج
لم تكن قضية التراث شأنا إسلاميا دينيا وحسب، لقد كانت ـ وما تزال ـ المحور الرئيسي الذي تدور حوله تفسيرات السياسة والاجتماع والاقتصاد والمعرفة، بل إن موقعها في عمق الحياة والفكر العربيين (الإسلاميين) يجعل أي حديث في النهضة أو في تفسيرها غير ممكن دون العبور ببوابة التراث.
هذا هو السبب الذي جعل"جمعية بيروت للتراث"تنظم مؤخرا مؤتمرها الدولي الخامس تحت عنوان:"ترائنا في ظل العولمة"في قصر الأونيسكو، الذي شارك فيه عدد من المفكرين والباحثين العرب، حيث ناقش مفهوم"العولمة وإشكالية السيطرة الثقافية"، ورأى البعض أن العولمة هي إحدى إشكالات الهيمنة الغربية الجديدة وتعبير مركزية دفينة في الوعي الأوروبي تقوم على عنصرية عرقية. ذلك"أنه في مرحلة التحرر أفرز الغرب أشكالاً جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزرعها خارج حدوده مثل العولمة، العالم ذي القطب الواحد، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، الإدارة العليا، ثورة الاتصالات، العالم قرية واحدة ، الكونية.. وكلها مفاهيم بريئة تكشف سيطرة المركز على الأطراف في تاريخ العالم الحديث، وتجعل المثقفين في العالم الثالث يلهثون وراءها بالشرح والتفسير والتعليق والتهميش، دون أن يعلموا أن التهميش ليس الكتابة على النص بل الإخراج من التاريخ، ودعوة إلى التقليد في الأطراف وترك الإبداع للمركز وحده، وبمجرد نهاية الاستقطاب برز مفهوم العولمة لإحكام السيطرة على العالم باسمه ولصالح المركز ضد مصالح الأطراف، واجتهد المفكرون العرب في ترجمة Globalizalion عولمة أو كونية.. ويستحسنها البعض لأن الهامش سيجد له مكاناً في المركز ولو في حوار بالرغم من إخفاق حوار الشمال والجنوب.. والحوار العربي الأوروبي، وحوار الشرق والغرب، وأصبح كل من يدافع عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية والاستقلال الحضاري رجعياً، ظلامياً، أصولياً، إرهابياً، متخلفاً، ماضوياً، سلفياً، بتروليا، مع أن الدفاع عن العولمة يأتي من أموال النفط التي تساهم في اقتصاد السوق وشراء أسهم الشركات الأجنبية"!
في حين رأى بعض الباحثين"أن العولمة نقلة نوعية جديدة في حياة الرأسمالية التاريخية، أو هي طور جديد دخله نمط الإنتاج الرأسمالي العالمي، حيث بدأت حقبة التحول الرأسمالي للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها.. وهذه عملية تاريخية طويلة الأمد قد تشتد وتتراجع وتتقدم وتتعثر وتقاوم، لكنها في حراك دائم في الوقت الحاضر، وفي قاعها النقل التدريجي لعمليات الإنتاج الصناعي والخدمي وغيرها من دول المركز، حيث كانت مركزة، إلى دول الأطراف الأكثر ملاءمة وطواعية وتقبلاً لهذا النقل.. وتقف الصين على رأس هذا النوع من الدول"وهو تفسير تتضح عليه بصمات الماركسية التقليدية بقوة، وبالتالي هي رؤية تحمل وجهة نظر مسبقة غير قادرة، بالنتيجة، مهما امتلك من أدوات أن تقدم رؤية واقعية، سوى التعدي عليها، وبروز الرأي الواحد على حساب التراث والمعتقد، بحجة التفصيل والدراسة الموضوعية التي يجب أن يكون كل شيء فيها تحت البحث والتشكيك والتفكيك..الخ.