فهرس الكتاب

الصفحة 3797 من 27364

لقد أكد أحد الباحثين على أن العولمة ليست إلا مجرد مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والإرادة والثقافة الوطنية.."فهي تعني مزيداً من تبعية الأطراف للمركز"، وتقذف عليها مفاهيم جديدة أشبه بالسوط على ظهر من لا يدخل بيت الطاعة في نظام العالم الجديد: حقوق الإنسان، حقوق الأقليات، حقوق المرأة، وقوى الدعم الغربي لمراكز حقوق الإنسان، بالمفهوم الغربي الفردي دون مراعاة لحقوق المواطنة وحقوق الشعب... وانتشرت البحوث عن الأقليات العرقية والطائفية من اجل إبراز الخصوصيات والهويات والتعدديات الثقافية للقضاء على وحدة الثقافة، وحدة الوطن، ووحدة التاريخ، ووحدة المصير، وانتشرت مشاريع دراسات المرأة وجمعياتها، وأدخل مفهوم النوع في كل شيء في ثقافات لم تعرف بعد مفهوم المواطنة التي لا تفرق بين ذكر وأنثى.... وقام النضال الوطني بخلق عدو وهمي للمرأة هو الرجل بينما المرأة والرجل كلاهما ضحايا عدو مشترك: التقليد والتخلف والفقر والقهر والاستعباد.. وكل ذلك بداية لهدف فتح الدولة الوطنية لحدودها الاقتصادية والسياسية، والسير في نهج الخصخصة والتحول من القطاع العام الذي تبنته بعد تحررها الوطني إلى القطاع الخاص الذي يساهم فيه رأس المال الأجنبي ويزاحم رأس المال الوطني وما يتبعه من تحول إلى اقتصاد عالمي، تعم فيه قيم الاستهلاك، والمتعة بالحياة، ولا تنظر الأمم إلى مشاريع قومية وخطط استراتيجية بعيدة المدى، فذلك من اختصاص المركز، وما على الأطراف إلا ركوب القطار، لينتشر الفساد، ووسائل الكسب السريع وتهريب الأموال، ويزدهر الجنس متعة رخيصة لمن يمتلك المال... وبالتالي وبطريقة لا شعورية، و تحت أثر تقليد المركز والانبهار بثقافته، يتم استعمال طرق تفكيره ومذاهبه كإطار مرجعي للحكم دون مراجعة أو نقد، وتتبنى ثقافة الأطراف كل ما يصدر في المركز من أحكام خاصة: ثنائيات الحس والعقل، وتعارض الدين والعلم، والفصل بين الدين والدولة، والانقطاع عن القديم .

وعلى ضوء تداعيات ذلك ينشق الصف الوطني إلى فريقين: العلمانية والسلفية، وكل منهما يستبعد الآخر، وتصبح المعركة على حساب الوطن (الضحية) حينما تضيع الخصوصية لصالح الصراعات المحلية والدولية، ويصمت الحوار الوطني.. ومن هنا فالمعركة بين الخصوصية والعولمة ليست معركة بريئة حسنة النية، أكاديمية علمية، بل تمس حياة الأوطان ومصير الشعوب..

كيف يكون دفاع الثقافة العربية ضد مخاطر العولمة؟

إنه لا يتأتى حسب الباحث إلا عن طريق الانغلاق على الذات ورفض الغير، لأن هذا تصحيح خطأ بخطأ، ومجموع الخطأين ليس صواباً! إنما يتأتى ذلك أولا بإعادة الموروث القديم المكون الرئيسي للثقافة الوطنية، بتحديد لغته، وتغيير مستويات تحليله.

ويتطلب الدفاع عن الهوية الثقافية ثانياً، كسر حدة الانبهار بالغرب، ومقاومة جذبه، وذلك برده إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على أسطورة الثقافة العالمية، فكل ثقافة مهما ادعت أنها عالمية تحت تأثير أجهزة الإعلام فإنها نشأت في بيئة محددة، وفي عصر تاريخي معين، ثم انتشرت خارج حدودها بفعل الهيمنة ووسائل الاتصال، فلماذا يطبق المركز مناهج علم اجتماع المعرفة والإنثروبولوجيا الثقافية على ثقافات الأطراف ويستثني نفسه منها؟ ألا يمكن أن يصبح الدارس مدروساً، والملاحِظ ملاحَظاً، والذات موضوعاً؟ ومن هنا تأتي أهمية إنشاء علم"الاستغراب"من أجل تحويل الغرب من كونه مصدراً للعلم كي يصبح موضوعاً للعلم فيتم القضاء على أسطورة الثقافة العالمية المنتشرة خارج حدودها نظرياً، قيم التنوير داخلها، ونقيضها خارجها، وبهذا تتحرر الأنا من عقدة الخوف، وتنشئ لها مشروعها المعرفي المستقل ويكون لها طموحها العلمي، حيث تعيد الأنا التوازن لحوار الحضارات وتنتهي الأشكال الجديدة للهيمنة. إن الإنسانية أوسع رحاباً من أن تحصر في تاريخ الغرب الحديث..

ويمكن التخفيف من غلواء العولمة ثالثاً عن طريق قدرة الأنا على الإبداع بالتفاعل مع ماضيها وحاضرها، بين ثقافتها وثقافات العصر ولكن ليس قبل عودة ثقتها بذاتها.. وليس مثل الانبهار بالآخر كنقطة جذب لها وإطار مرجعي لثقافتها، التفاعل مع الواقع الخصب، وإحضار الماضي والمستقبل في الحاضر هو السبيل للمزج العضوي بين الخصوصية والعولمة وصهرهما في أتون الواقع الجديد ومتطلبات العصر..

هذا وقد أنهى المؤتمر الحضاري الدولي الخامس"تراثنا الواقع والمستقبل في ظل العولمة"أعماله في قصر الأونيسكو في بيروت بعدد من التوصيات أكد فيها على الجوانب السلبية للعولمة، ودعا للتوظيف الإيجابي منها في حياتنا المعاصرة والتشديد على الدفاع عن الخصوصيات الثقافية باعتبارها هوية وطنية تحمي حاضر الأمة ومستقبلها والدعوة إلى تقوية مؤسسات التعاون الإقليمي العربي المشتركة وتقوية الاهتمام بالشؤون التراثية وتعزيز التوعية بروائع الحضارة العربية والإسلامية. وتمّ في ختام المؤتمر الذي دامت أعماله ثلاثة أيام توزيع ميداليات على المشاركين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت