أ. د. عماد الدين خليل 18/12/1425
ابتداءً يجب التأكيد على أن (العولمة) بصفة عامة، تنطوي على طبقتين: التقنيات والخلفيّات الرُّؤيويّة أو الفكريّة.
فأما التقنيات فهي معطيات محايدة لا تشكّل أيّ تقاطع مع قيم التصوّر الإسلامي وثوابته العقديّة أو التشريعيّة أو السلوكيّة، إلاّ أن توظيفها في حمل الخلفيات الرّؤيويّة والفكريّة، وإرغام الآخر على قبولها والتسليم بها والانخراط في نسيجها هو الذي يتقاطع، وبكل
تأكيد...
ذلك أن العولمة بوضعها الراهن تستهدف اختراق العالم وفرض النموذج الغربي والمصلحة الغربية، المتمركزيْن في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانسحاب المركزية الأوربية إلى الساحة الأمريكية.
أما النموذج الغربي الذي تُسخّر له العولمة الثقافية والسياسية، فهو نموذج ماديّ علمانيّ يتقاطع ـ ابتداء ـ مع المنظور الإسلامي للكون والإنسان والحياة، ولوظيفة الإنسان في الأرض. وأما المصلحة الغربية التي تُسخّر لها العولمة الاقتصادية والاستراتيجية والعسكرية والسياسية، فهي تستهدف تفكيك الدول، وابتزاز الأمم والشعوب، وتسمين"العجل الذهبي"الأمريكي.
ها هنا في السياقين الثقافي والاقتصادي، بآلياته العسكرية والسياسية، يكون التقاطع، ليس فقط مع العقيدة الإسلامية، وإنما مع عالم الإسلام الذي يتعرض الآن، لواحدة من أبشع عمليات التفكيك والتدمير والابتزاز في تاريخ البشرية.
إن العولمة، لو أتيح لها أن تتحقق في عالم تحكمه قطبيات شتى، لكان الحال غير الحال، ولربما استطاع عالم الإسلام أن يجد ممّرات ممكنة للتوظيف والإفادة من ظاهرة اختزال الكرة الأرضية إلى قرية صغيرة، يُمارس فيها التناقل السريع المدهش على كل المستويات.
ولكن الذي يحدث هو أن النظام العالمي الجديد ذا القطبية الأُحاديّة، يقود بالضرورة إلى تحويل الظاهرة إلى أداة ناجزة لخدمة القطب الأُحادي الأمريكي، وجعل ضِرع العالم يدرّ في فمه؛ لكي يزيده غنى وتحكّماً وجبروتاً، بينما العالم الثالث -وليس عالم الإسلام وحده- يئن من الجوع والتخلّف والابتزاز، ويخضع لواحدة من أبشع عمليات إفراغ الأمم والشعوب والدول من حيثيّاتها وخصوصيّاتها، بل من الحدود الدنيا لمصالحها كذلك!
ومخطئ من يقول:"بامكان قبول الإسلام للعولمة وتسليمه بمقولاتها"، ذلك أنها -بوضعها الراهن- الذي تُوَظّف فيه لرؤية ومصلحة النظام الدولي الجديد القائم على القطبية الأُحاديّة، والذي تتحكم فيه - عبر المَدَيات الزمنية الراهنة على الأقل - الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه العولمة تريد أن تختزل العالم، تضغطه، تسحبه، بعد إعادة صياغته، ليكون ساحة طيّعة لمطالب الرؤية الثقافية والمصلحية للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا واضح تماماً فيما يحدث على الأرض (في الميدان كما يقولون) ، فلا يتطلب جدلاً أو نقاشاً لتأكيد حضوره.
أما الإسلام فهو نظام عالمي .. شريعة أُمميّة .. تمضي لخطابها التحريري إلى الإنسان في العالم كلّه: تحرّره من كل صيغ الاستلاب والصنميّة، وتمنحه حرية الاعتقاد دونما قسر أو إكراه .. هذا إلى أنها لا تصادر خصوصيات الشعوب وثقافاتها، بل تمنحها الفرصة للتحقق والعطاء.
إن حضارة الإسلام هي حضارة ( الوحدة والتنوع) ، وقد قدّم التاريخ الإسلامي في نسيج فعالياته الحضارية نموذجاً حيوياً على التناغم بين هذين القطبين اللذين ارتطما وتناقضا في العديد من الحضارات الأخرى، ووجدا في الإطار الإسلامي فرصتهما للتلاؤم والانسجام.
فالحضارة الإسلاميّة هي - من ناحية - حضارة الوحدة التي تنبثق عن قاسم مشترك أعظم من الأسس والثوابت والخطوط العريضة بغض النظر عن موقع الفعالية في الزمن والمكان، وعن نمطها وتخّصصها. وهي - من ناحية أخرى- حضارة الوحدات المتنوعة بين بيئة ثقافية وأخرى في إطار عالم الإسلام نفسه، بحكم التراكمات التاريخية التي تنتج خصوصيات معينة لكل بيئة تجعلها تتغاير وتتنوع فيما بينها في حشود من الممارسات والمفردات.
إنها جدليّة التوافق بين الخاص والعام، تلك التي أكّدها القرآن الكريم في الآية ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ...) ، وهو يتحدث عما يمكن تسميته بالأمميّة الإسلاميّة التي تعترف بالتمايز بين الجماعات والشعوب والأمم، ولكنها تسعى لأن تجمعها في الوقت نفسه على صعيد الإنسانية. وهي محاولة تختلف في أساسها عن الأممية الشيوعية التي سعت ـ ابتداء ـ وبحكم قوانين التنظير الصارمة، إلى إلغاء التنوع ومصادرته، وإلى تحقيق وحدة قسريّة، ما لبِثت أنْ تأكّد زَيْفُها وعدم القدرة على تنفيذها تاريخياً بمجرد إلقاء نظرة على خارطة الاتحاد السوفياتي ( المنحلّ ) حتى قبل حركة