(البريسترويكا) ، والرفض المتصاعد الذي جُوبهت به الأمميّة الشيوعيّة من قبل حشود الأقوام والشعوب التي تنتمي إلى بيئات ثقافية متنوعة، ومقارنة هذا بما شهده التاريخ الإسلامي من تبلور كيانات ثقافية إقليمية متغايرة في إطار وحدة الثقافة الإسلامية وأهدافها المشتركة، يتبين مدى مصداقية المعالجة الإسلامية لهذه الثنائية.
إن ما فعله الاتحاد السوفياتي في فرض أُمَميّته على الشعوب التي خضعت لمقولاته الماركسية، تفعله أمريكا اليوم، مع تغاير زاوية الرؤية .. ولكن المغزى هو نفسه .. والسؤال هو: هل بمقدور هذه الحالة (الاستثنائية) القائمة على الاحتواء القسريّ أن تدوم؟
على أية حال، فإن البنيان التحتيّ للعولمة الراهنة يقوم على الماديّة، ورفْض الغيب، والتنكر لمعطيات الوحي، وإقامة جدار عازل بين السماء والأرض، بينما في الإسلام يلتقي الوحي بالوجود، والله سبحانه بالإنسان، والروحي بالمادي، ويصير التعامل مع الكتلة، وتنميتها وتطويرها، مُهِماً وضرورياً كالصلاة والصيام.
إن عالمية الإسلام، كما يرى العديد من مفكري الغرب أنفسهم(مارسيل بوازار
وروم لاندو ورجاء جاردوي وموريس بوكاي وغيرهم)هي الجواب الوحيد لإعادة التوازن إلى الإنسان والعالم .. وربما إعادة بناء العولمة نفسها، بما يجعلها في خدمة البشرية على امتدادها، وليس حكراً على الإمبراطورية الأمريكية المتجبّرة وحدها.
إن المشكلة"كونيّة"كما يقول جارودي في (وعود الإسلام) ، ولابدّ للجواب أن يكون كونياً.
أما تقنّيات العولمة فأمرها يختلف، وبخاصة في مجالي المعلوماتيّة والإعلاميّة، حيث الانفجار الأسطوري في آليات التواصل السريع وتناقل المعلومات، ورفع الخطاب الإعلامي إلى ملايين الناس عبر اللحظة الواحدة.
ونحن نشهد دقيقة بدقيقة، من خلال الزائر اليومي المتربّع في دورنا ومؤسساتنا ودوائرنا ومنتدياتنا ومقاهينا، ما يمكن للفضائيات والإنترنت أن يفعلاه.
إنهما يفعلان الكثير، ويقدمان الكثير، وهذا ـ بحدّ ذاته ـ يمثل تحدّياً لكلّ المعنيّين بالهمّ الإسلامي: وهو أن يُحسنوا التوظيف، وأن يبذلوا قُصارى جهدهم لتغطية ساعات
أكثر من الزمن التلفازي، لكي يطردوا بعملتهم الجيدة، العملات الرديئة التي تغطي معظم القنوات، والتي تنفث سرطانها المسموم، على كل المستويات وفي كل دار، وتدمّر بدقائق معدودات، ما يمكن أن يبنيه الجهد التربويّ في أشهر وسنوات.
نعم .. مرة أخرى .. فليس أمامنا خيار، وإن لم نُحسن التوظيف، خسرنا ما تبقّى من قيمنا وثوابتنا .. وبالعكس، فإن إدارة الصراع الثقافي بشكل جيد، وفي المساحة الواسعة المتاحة لنا- يمكن أن يحقّق الكثير.