إعداد معتز الخطيب**
تواجه العلمانية في السنوات الأخيرة مأزقًا صعبًا، ففي شكلها الفرنسي وضعت نفسها في توافق مع الدكتاتورية وضحّت بالحرية الدينية في سبيل ما أسمته"حماية العلمانية"، والتجربة التركية كذلك تشبه هذا النموذج، والتطورات الأخيرة بما فيها السياسات الأمريكية داخليًّا وفي العراق مثلاً، ودخول الإسلاميين في عدد من الدول في العملية السياسية وتأثيراته، وما حققه من سُمّوا بـ"الدعاة الجدد"على الصعيد الاجتماعي، وكذلك الإخوان المسلمون في مصر تحت شعار (الإسلام هو الحل) ، والحرية التي تمتع بها مسلمو أوربا وما تردد مؤخرًا من الحديث عن"أسلمة أوربا"، كل ذلك وغيره عنى زيادة رقعة الدين في الشأن العام، ووضع العلمانية أمام تناقض داخلي يكتنفها، وهو كيف تقصي الدين عن الشأن العام وتبقى محافظة على ليبراليتها؟ وكيف تتم الدعوة إلى الديمقراطية في بلدان"إسلامية"الثقافة والهوى والمعتقد دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة رقعة الدين في الشأن العام؟.
إن دعوة العلمانية إلى حرية الاجتماع الديني، سيقود في نهاية المطاف، كما هو الحال الراهن، إلى زيادة رقعة الدين والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة باعتبار أن للدين دورا مهما يمكن أو يجب - بحسب الناظرين - أن يؤديه في السياسة. وفي الواقع كان لا بد من طرح تساؤل حقيقي حول"حدود"العلمانية، فلم يعد التدين الأمريكي استثناء كما كان يُنظر إليه.
الملاحظة الثانية التي يجب الإشارة إليها هنا وهي أن هذه التطورات ساهمت في إيضاح"أيديولوجية"العلمانية، فلم تعد هي القدر الذي لا مفر منه، وليست مرحلة متقدمة في سياق تطور المجتمعات لا بد من دخولها لتحقيق الفردوس الأرضي، إنها ببساطة أيديولوجية منافسة.
غير أن ثمة باحثين فرنسيين لا يتفقون مع هذا التحليل، فباتريك ميشيل يرى أن هنالك استمرارًا للعلمانية وليس نهاية لها، وهناك من يرى أن عودة الدين هذه إنما هي وفق منطق العلمانية، أو ما يشبه علمنة الدين أو الإسلام.
وقد رأينا أنه من المهم أن نطرح هذه الرؤى ونناقش العلاقة بين الإسلام والعلمانية، وواقع المتغيرات وتأثيراتها على تلك العلاقة، وماذا تعني عودة الدين، لدى كل طرف؟