ترجمته (6) :
(6) …عن (الجامع في تاريخ الأدب العربي) لحنا الفاخوري (الأدب الحديث، ص 590 - 591) .
ولد إيليا أبو ماضي في قرية المحيدثة من قضاء المتن بلبنان، وكانت مدرسة القرية أول بيت علم دخله ونال من علمه ما استطاع نيله؛ وفي سنة 1902 حدثته نفسه بالمهاجرة إلى أمريكا، فترك قريته وتوجه أولاً إلى الإسكندرية حيث كان له عم يتعاطى بيع السجاير! قال أبو ماضي في ذلك:"وفي الإسكندرية تعاطيتُ بيع السجاير في النهار في متجر عمي، وفي الليل كنتُ أدرس النحو والصرف تارة على نفسي، وتارة في بعض الكتاتيب". وهكذا راح يحصّل من العلم ما استطاع التحصيل، إلى أن كانت سنة 1911 فأصدر ديوانه الأول بعنوان"تذكار الماضي".
إلا أن الحياة في مصر لم تقدّم له كل ما كان يصبو إليه، وفي سنة 1912 يمم الولايات المتحدة التي جذبت الألوف من أبناء وطنه، واستقر في مدينة سنسناتي إلى جانب أخيه مراد يعمل في التجارة ويملأ أوقات فراغه بالدرس والمطالعة ونظم الشعر.
وفي سنة 1916 انتقل إلى نيويورك وإلى حياة الصحافة والأدب، فعُهد إليه في تحرير"المجلة العربية".
وفي سنة 1918 عُهد إليه في تحرير مجلة"مرآة الغرب"لصاحبها نجيب دياب.
وفي سنة 1929 أنشأ مجلة"السمير"وقد حوّلها سنة 1936 إلى جريدة يومية.
وكان في سنة 1920 قد اشترك في تأسيس"الرابطة القلمية".
توفي عام 1957م.
لمحة عنه:
-تميز إيليا أبو ماضي من بين شعراء عصره بأنه شاعر التفاؤل والأمل، يقول زهير ميرزا عنه:"التفاؤل نزعة إنسانية عميقة الجذور في نفس الشاعر" (إيليا أبو ماضي شاعر المهجر، ص:ب ،ص) ، وألف عنه د. عبد المجيد الحر كتاباً سماه (إيليا أبو ماضي باعث الأمل ومفجر ينابيع التفاؤل) ، وقال عنه خليل بوهومي:"لقد علمنا إيليا أبو ماضي كيف يكون الشباب المتجدد الطامح بالأمل، الطامح إلى نيل السؤدد والعلى" (إيليا أبو ماضي شاعر السؤال والجمال، ص4-5) .
وقال أيضاً (ص78) :"شاعر الابتسامة والأمل والتفاؤل".
وقال عنه طالب زكي طالب بأنه"ينظر إلى الحياة نظرة إيجابية، لا ترى إلا الجانب الجميل فيها" (إيليا أبو ماضي بين التجديد والتقليد، ص 151) .
قلت: والقصائد التفاؤلية لإيليا أبو ماضي كثيرة، حبذا لو استثمرها المسلم واستفاد من معانيها الجميلة، وسخرها لمعانٍ إسلامية سامية .
فمن ذلك قصيدته الشهيرة:
فلسفة الحياة
أيهذا الشاكي وما بك داء
-... كيف تغدو إذا غدوت عليلا؟
-إن شر الجناة في الأرض نفسٌ
-... تتوقى، قبل الرحيل، الرحيلا
-وترى الشوك في الورود ، وتعمى
-... أن ترى فوقها الندى إكليلا
هو عبءٌ على الحياة ثقيل
-... من يظن الحياة عبئاً ثقيلاً
-والذي نفسه بغير جمالٍ ... لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً
-ليس أشقى ممن يرى العيش مراً ... ويظن اللذات فيه فضولا
-أحكم الناس في الحياة أناسٌ ... عللوها فأحسنوا التعليلا
-فتمتع بالصبح ما دمت فيه
-... لا تخف أن يزول حتى يزولا
-وإذا ما أظل رأسك هم
-... قصِّر البحث فيه كيلا يطولا
-أدركتْ كنهها طيور الروابي
-... فمن العار أن تظل جهولا
-ما تراها والحقل ملك سواها
-... تخذت فيه مسرحاً ومقيلاً
-تتغنى، والصقر قد ملك الجو
-... عليها، والصائدون السبيلا
-تتغنى، وقد رأت بعضها يؤ
-... خذ حياً والبعض يقضي قتيلا
-تتغنى، وعمرها بعض عام
-... أفتبكي وقد تعيش طويلاً؟
-فهي فوق الغصون في الفجر تتلو
-... سور الوجد والهوى ترتيلا
-وهي طوراً على الثرى واقعات
-... تلقط الحب أو تجر الذيولا
كلما أمسك الغصون سكونٌ
-... صفقت للغصون حتى تميلا
-فإذا ذهب الأصيل الروابي
-... وقفت فوقها تناجي الأصيلا
-فاطلب اللهو مثلما تطلب الأطيار
-... عند الهجير ظلا ظليلا
-وتعلم حب الطبيعة منها
-... واترك القال للورى والقيلا
-فالذي يتقي العواذل يلقى
-... كل حين في كل شخصٍ عذولا
-أنت للأرض أولاً وأخيراً
-... كنت ملكاً أو كنت عبداً ذليلاً
-لا خلودٌ تحت السماء لحي
-... فلماذا تراود المستحيلا؟
-كل نجم إلى الأفول ولكن
-... آفة النجم أن يخاف الأفولا
-غاية الورد في الرياض ذبول
-... كن حكيماً واسبق إليه الذبولا
-وإذا ما وجدت في الأرض ظلاً
-... فتفيأ به إلى أن يحولا
-وتوقع، إذا السماء اكفهرت
-... مطراً في السهول يحيي السهولا
-قل لقوم يستنزفون المآقي
-... هل شفيتم مع البكاء غليلا؟
-ما أتينا إلى الحياة لنشقى
-... فأريحوا، أهل العقول، العقولا
-كل من يجمع الهموم عليه
-... أخذته الهموم أخذاً وبيلاً
-كن هزاراً في عشه يتغنى
-... ومع الكبل لا يبالي الكبولا
-لا غراباً يطارد الدود في الأرض
-... ويوماً في الليل يبكي الطلولا
-كن غديراً يسير في الأرض رقراقاً ... فيسقي من جانبيه الحقولا
-تستحم النجوم فيه ويلقى
-... كل شخص وكل شيء مثيلا
-لا وعاء يقيد الماء حتى
-... تستحيل المياه فيه وحولا
-كن مع الفجر نسمة توسع الأزهار
-... شمساً وتارة تقبيلا
-لا سموماً من السوافي اللواتي
-... تملأ الأرض في الظلام عويلا