فهرس الكتاب

الصفحة 21167 من 27364

دولة بني أمية ، تمثل حيزاً زمنياً كبيراً من صدر الإسلام والقرون الفاضلة التي زكاها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... ) )الحديث 72. فهم داخلون في ذلك في الجملة .

فإن دولة بني أمية بدأت من عهد معاوية - رضي الله عنه - الصحابي الجليل ، وهو من الخلفاء الصالحين والملوك العادلين ، وله اجتهادات قد يخالفه عليها بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين .

وهكذا سائر خلفاء بني أمية ، أقاموا الدين ، وجاهدوا ونصروا السنة ، وقمعوا البدع وأهلها ، وفي بعضهم انحراف عن الحق ، ووقوع في شيء مما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الظلم والأثرة وبعضهم أخطأ في حق علي - رضي الله عنه - وبعض ذريته فمالوا إلى النصب ربما سياسة وهوى لا تديناً ( والله أعلم ) ولا شك أنه خطأ على أي حال 73، وكذلك اشتهر بعض ولاة بني أمية بتأخير الصلاة عن وقتها 74.

وهذه زلات لا تلغي اعتبارهم ، ولا تمحو فضائلهم وجهودهم المحمودة وجهادهم المشهود ، ولا تمنع كونهم على السنة ومن أنصارها ، فهم بشر كسائر البشر .

قال شيخ الإسلام في منهاج السنة:

(( وبنوا أمية كانوا عثمانية ) )، فكان الإسلام وشرائعه في زمنهم أظهر وأوسع مما كان بعدهم .

وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش ) ).

ولفظ البخاري: (( اثني عشر أميراً ) ). وفي لفظ: (( لا يزال أمر الناس ماضياً ولهم اثنا عشر رجلاً ) ). وفي لفظ: (( لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش ) ).

وهكذا كان ، فكان الخلفاء: أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عزّ ومنعة: معاوية ، وابنه يزيد ، ثم عبد الملك وأولاده الأربعة ، وبينهم عمر بن عبد العزيز . وبعد ذلك حصل في دولة الإسلام من النقص ما هو باق إلى الآن ؛ فإن بني أمية تولوا على جميع أرض الإسلام ، وكانت الدولة في زمنهم عزيزة ، والخليفة يُدعى باسمه: عبد الملك ، وسليمان ، لا يعرفون عضد الدولة ، ولا عزّ الدين وبهاء الدين ، وفلان الدين وكان أحدهم هو الذي يصلِّي بالناس الصلوات الخمس ، وفي المسجد يعقد الرايات ، ويؤمّر الأمراء ، وإنما يسكن داره ، لا يسكنون الحصون ، ولا يحتجبون عن الرعية )) .

وقد تحامل أهل الأهواء والبدع من الشيعة والخوارج والقدرية والجهمية والمعتزلة ونحوهم على بني أمية وأشهروا أخطاءهم وأغمضوا عن حسناتهم ، لأنهم كانوا ( أعني بني أمية ) يقفون ضد تيارات البدع والأهواء ودعاتها بقوة وحزم وهذا مما أغاظ المبتدعة وأهل الأهواء وأشياعهم ، وأوغر صدورهم على بني أمية وعلى السلف الصالح الذين لا يؤيدون الظلم ، لكنهم شكروا لبني أمية صنيعهم في نصرة السنة ، وقمع البدعة وأهلها ، وهم الذين نشروا الإسلام وواصلوا الجهاد وفتحوا الفتوح .

كما أن هذا لا يعني أن السلف سكتوا عما كان يحدث من بعض ولاة بني أمية من المظالم والفسوق والأثرة ، بل كانوا ينكرون عليهم ويناصحونهم ولم يقروهم على ظلم ولا على باطل وهذا هو المنهج الحق .

حرص السلف على جمع كلمة الأمة على ولاتهم - وإن جاروا - ليس رضى بالظلم والفسوق والأثرة ، ولا إقراراً بذلك ؛ بل امتثالاً لأمر الله ورسوله بلزوم الطاعة والجماعة في المنشط والمكره ، ونبذ الفرقة والخروج ، وهذا أصل عظيم من أصول السنة ، ومسلّمة ضرورية من مسلّمات الدِّين ، تقوم عليها مصالح للأمة ، وتدرأ بها مفاسد كبرى معلومة من الدين بالضرورة .

أما ما يكون من بعض الجاهلين ، أو المتأولين من الولاة والعلماء وغيرهم ممن ينتسبون للسلف ، مما هو خلاف ذلك ، فهو اجتهاد شخصي غير محسوب على منهج السلف ، لأنه مخالف لصريح السنة .

التحامل على السلف وكبتهم ومنهجهم

من منهج أهل الأهواء التحامل على كتب السلف والتشكيك في منهجهم والطعن في علمهم ، ونجد هذا المنحى واضحاً عند بعض المعاصرين من أهل الأهواء ، حين جعل كتب السلف مثل كتب أهل الافتراق والبدع والأهواء حين قال:

( وكتب العقائد رغم ما فيها من حق قليل إلا أن فيها الكثير من الباطل ، بل هو الغالب عليها لما فيها من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والإسرائيليات المشككة للمسلم والتكفير للمسلمين ، وزرع بذور الشقاق والتباغض والتنازع بين المسلمين ، وغير ذلك من الهوى والظلم والجهل ، وسواء كان ذلك في كتب العقائد عند الشيعة أو السنة أو الإباضية أو الصوفية أو غيرهم ، ولم ينج من كثير من ذلك إلا بعض كتب المجتهدين في الماضي أو الحاضر ، وهي قلة نسبة إلى هذه الكثرة ) 75 .

وهذا من التلبيس والظلم والافتراء على السلف ، فإن كل ما قاله الكاتب من هذه المطاعن يصدق على كتب عقائد القوم ( المبتدعة ) في الجملة لا على كتب السنة وأهلها فكتب عقائد السلف تقوم على الحق والدليل ، والعدل والإنصاف ، والعلم ، والهدى والسنة ، وما يخرج عن ذلك قليل من الزلات والأخطاء والتجاوزات التي قد تكون في ثنايا كتب العقائد المعتمدة عند السلف ، وهي كتب الصحاح والسنن والآثار والمصنفات الكبرى لأئمة السنة ، وهي أمور معلومة عند أهل العلم الراسخين ، فإن كتب السلف الحق فيها هو الأصل والأكثر ، وخلاف ذلك - بحمد الله - قليل بل نادر ، والنادر لا حكم له .

أما ما أشار إليه الكاتب من التكفير ونحوه فهذا من خصال أهل البدع ، أما أهل السنة فلا يكفرون إلا بدليل وقد أجبت عن هذه الشبهة في مقام آخر من هذا الكتاب .

وكذلك اتهامه لكتب أهل السنة بأن فيها أحاديث مكذوبة ، فهذا هو الكذب والبهتان ، فإن كتب السلف تعتمد على الصحيح ، إلا النادر مما هو اجتهاد خاطئ عن البعض ، وقد أجبت عن هذا الزعم في مقام آخر .

دعوى وجود الاستطرادات في كتب السلف

زعموا أن كتب العقائد فيها الكثير من الحشو والاستطرادات ، وأن فيها أحاديث مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم .

نعم إن هذا الوصف يصدق على أكثر كتب عقائد الفرق المخالفين للسنة ، وأهل الأهواء ، أما كتب السلف فهي تقرر الحق ، الحق فيها هو الأصل والغالب والكثير ، وما قد يوجد في بعضها من استطرادات وآراء خاطئة لبعض العلماء فليس ذلك من أصول العقيدة ، إنما هو من المسائل الفرعية الملحقة بموضوعات العقيدة للمناسبة ، وهذا قليل وليس في الأصول .

وليس في عقيدة السلف ما ليس عليه دليل من القرآن والسنة ، وما قد يوجد أحياناً من الأحاديث الضعيفة أو الحكايات والإسرائيليات أو المنامات ونحوها فإنما أورده بعض العلماء للاعتضاد والاستئناس لا للاعتماد ، وعلى اعتبار أنه يحتمل الصحة ، وليس هو الدليل .

كما أنه لا يلزم من رواية بعض الأحاديث الضعيفة أو المشتملة على ما ينافي العقيدة اعتقاد ما جاء فيها، ولا اعتقاد صحتها .

من مفتريات أهل البدع والأهواء والافتراق على السلف وكشف مصطلحاتهم في ذلك

قبل أن أشرع في ذكر بعض مفتريات أهل الأهواء على السنة وأهلها والسلف الصالح ، يحسن أن أنبه إلى الأمور التالية:

الأمر الأول: أن السلف كما هو معلوم ، وكما أسلفت بشر يقع الخطأ والزلل من أفرادهم ، أما جملتهم فتتحقق فيهم وفي منهجهم وعقيدتهم وديانتهم العصمة الثابتة للأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) )76 وكذلك لزوم الحق وإظهاره في قوله: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) )77. فأهل السنة هم هذه الطائفة قطعاً لأنهم هم الذين على الحق .

الأمر الثاني: أنه ينطبق على أهل الأهواء ( خصوم السلف والسنة ) المثل: ( رمتني بدائها وانسلتِ ) .

فكل ما قاله هؤلاء الخصوم أهل الأهواء في أهل السنة والجماعة وأقوالهم ومناهجهم هو في أهل الأهواء هو الأصل .

فالتزام الحق والسنة هو الأصل والقاعدة عند أهل السنة والجماعة السلف الصالح ، وما يخالفه مما يقع فيه بعض أفرادهم وفئاتهم فهو استثناء ، وخروج عن الأصل والقاعدة ، فهم بشر ليس لأفرادهم عصمة .

والعكس كذلك فإن المفارقة والبدعة والهوى ، هي الأصل والقاعدة في الفرق المفارقة للسنة والجماعة ، وفي أهل الأهواء بأفرادهم وفرقهم ، وما يوافقون فيه الحق والسنة استثناء عن الأصل وعن القاعدة ، فأهل السنة والجماعة والسلف الصالح هم أهل الحق والسنة تعرف بهم ويعرفون بها .

الأمر الثالث: أن أهل الأهواء هم أهل الفرقة والبدعة تعرف بهم ويعرفون بها .

وأن كل ما رمى به أهل الأهواء أهل السنة من الأخطاء والعيوب ، فهو في أهل الأهواء والافتراق أكثر ، وهم الأصل فيه فالله تعالى يقول: { أ َفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } (القلم:35-36) ويقول: { أ فَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ } (السجدة:18) .

الأمر الربع: أن كثيراً مما يعيب به أهل الأهواء على أهل السنة ، ويعيرونهم به هو مما يمدح ؛ لأنه - أصلاً - هو الحق لكن أهل الأهواء يُلبِّسون على الناس ويقلبون الحقائق ؛ لأن أصولهم منكوسة ، وسأذكر أمثلة لذلك بعد قليل .

الأمر الخامس: أن أهل الأهواء أصحاب فتنة كما وصفهم الله: { أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } (آل عمران: من الآية7) .

وهذا منهج عام لدى عامة أهل الأهواء ، يعتقدون الباطل ثم يلتمسون له الأدلة على غير الوجه الشرعي في الاستدلال ، ويثيرون الشبهات والإشكالات حول النصوص ( القرآن والسنة )

ثم يمتد منهجهم هذا إلى عموم نصوص الشرع ، وقواعد الدين ومناهج الحق ، وأصول السنة وأقوال الأئمة والعلماء الراسخين ، وأتباعهم المهتدين .

لذا نجدهم - أغني أهل الأهواء - يقفون عند شواذ المواقف والأقوال والآراء لبعض المنتسبين للسلف من العلماء وغير العلماء ، فيجعلونها أصولاً ويرمون بها السلف بعامة ، ويقدحون في عقيدتهم ومنهجهم اعتماداً على هذه الزلات والأخطاء ، وقد تكون صواباً في ميزان الحق ، لكنهم - أعني أهل الأهواء - يعدونها خطأ على مناهجهم الباطلة .

وهذا ما سأذكر نماذج منه في المبحث التالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت