فهرس الكتاب
محمد بن شاكر الشريف
لقد أصبحت اليوم قضايا الإسلام وأحكامه الشرعية مرعى خصباً وكلأ مباحاً ، ترعاه السوائم من كل لون وجنس ، ويشعر المرء بكثير من الضيق والضجر ، والغضب ، وذلك عندما يطالع في كثير مما يكتب أو يستمع إلى كثير مما يقال ، فيجد الجهل و الجور والحيف في تناول الأمور الشرعية ، لكن هذه الحالة التي يكاد يعيشها المرء يوميا وذلك بفعل الدخلاء والمتطفلين على الكلام في أمور الإسلام تزداد أكثر وأكثر ، ويزداد حرها ولهيبها اللافح ، عندما يقع ذلك الخلط والتخليط ، والحيف ، والجور ، والتحريف من رجل مشهور يشار إليه من بين الناس ، أومن جماعة مشهورة لها رصيدها عند الناس .
وقد يكون الدافع أحياناً لهذه الرغبة في تحصيل منفعة شخصية ، أو حفاظاً على منصب زائل ، أو دفعاً لمضرة متوهمة ، وقد يكون الدافع أحياناً لذلك هو الرغبة في عمل ما يسمونه » مصالحه « مع بعض الأنظمة الحاكمة بغير ما أنزل الله ، أو إنهاء أزمة معه ، أو الحصول على ما يسمونه » بعض المكاسب « من مثل السماح بدخول الانتخابات ، أو إصدار مجلة ، أو غير ذلك .
وبغض النظر عن مناقشتنا لتلك الرغبات ، وما إذا كانت مقبولة أو مرفوضة، فإن الذي ينبغي أن يكون واضحاً للجميع أنه لا يمكن أن تكون تلك» المساومات « على حساب الإسلام ، وعلى حساب أحكامه ، وشرائعه ومناهجه وثوابته ، وإلا فإن الحركة الإسلامية الناضجة لن تغفر هذه » المساومات « لأصحابها ، وسوف تعزلهم ، وفي النهاية سوف تلفظهم ، ولن يحصد المرء غير ما زرع أقول الذي دعاني إلى كتابة ذلك ، هو ما قرأته في جريدة الحياة يوم الأحد بتاريخ 30/2/ 1415 ص5 العدد 11494 من بيان أصدرته جماعة إسلامية كبيرة ، لها رصيدها ، ولها ريادتها في مجال العمل الإسلامي .
ولا يعنيني الآن رغم كثرة ما تعرض له بيان الجماعة غير موضعين:
الموضع الأول: قول بيان الجماعة: (إنهم ينتمون إلى أهل السنة والجماعة ، ويعتبرون أنفسهم جماعة من المسلمين ، وإن عقيدتهم ، وفكرتهم من حيث النقاء والأصالة لا تشوبها شائبة ، كما إن مناهجهم واضحة ، ومتميزة من حيث اعتمادها على الكتاب والسنة ، والفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات ) .
ونحن هنا لا يعنينا أن ننقب وراء هذا الكلام في تراث الجماعة لنرى مدى صوابه من خطئه ، ويكفينا هذا الإعلان الذي يمثل أصلاً قويماً ، ينبغي أن يقوم عليه أي عمل إسلامي ، وهو يمثل في الوقت نفسه مقياساً لمدى قرب العمل الإسلامي أو بعده عن حقيقة الإسلام .
إن إعلان مثل هذا الأصل من أي جماعة تعمل للإسلام ، لابد أن يلقى الترحيب والإشادة ، ويستقبل بالسرور والسعادة من أولئك الذين يهمهم أمر الإسلام ويعيشون له ، وينبغي تشجيع أصحابه على التمسك به وإعانتهم عليه وانطلاقاً من تشجيعنا لتلك الجماعة على الالتزام بهذا الأصل ، الذي أعلنوه ومساعدتنا لهم للمضي فيه قدماً ، ننتقل إلى الموضع الثاني لنناقشه انطلاقاً من الأصل المذكور .
الموضع الثاني: فقد جاء في بيان الجماعة أن » الشريعة الإسلامية أباحت لغير المسلمين حرية العقيدة ، والعبادة ، وإقامة الشعائر ، وحرية الأحوال الشخصية، وعملت على حماية ذلك إلى أبعد مدى « ..
ويمضي البيان إلى أن يقول عن جماعته أنها » ترى أن المواطنة ، أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها حلت محل مفهوم أهل الذمة ، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة ، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات ، مع بقاء مسألة الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومواريث طبقاً لعقيدة كل مواطن وبمقتضى هذه المواطنة ، وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده ترى » الجماعة « أن للنصارى الحق في أن يتولوا باستثناء منصب رئيس الدولة كل المناصب الأخرى من مستشارين ، ومديرين ، ووزراء ، ويمثل النصارى مع المسلمين في مصر نسيجاً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً واحداً تداخلت خيوطه وتآلفت ألوانه ، وتماسكت عناصره « ، وقد يتعجب المرء ويتساءل هل من الممكن أن يكون الذي كتب تلك الفقرة ، هو نفسه الذي كتب الفقرة السابقة التي نقلناها ؟ !
شيء عجيب حقاً لكن على أي الأحوال ننتقل الآن إلى مناقشة تلك الفقرة الأخيرة على ضوء الأصل الذي ذكرت الجماعة أنها متمسكة به .
أولاً: هل أباحت الشريعة الإسلامية فعلاً لغير المسلمين حرية الاعتقاد .. إلى آخر ما قال البيان ، مع العلم أن » غير المسلمين « وهو التعبير الذي آثر بيان الجماعة استخدامه يشمل اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والشيوعيين ، وعبدة الأوثان ، وعبدة الأبقار ، وكل كافر أو مشرك .