فهرس الكتاب

الصفحة 19772 من 27364

فعلم بذلك أن الأئمة في الكفر الذين أمرنا بقتالهم ، إما أن يكونوا هم الناكثين للعهد بغير الطعن وهؤلاء إنما يقاتلون من غير إنذار شريطة أن لا يحدث بعد نقضهم للعهد السابق أمان أو عهد جديد .

وإما أن يكونوا هم الطاعنين في الدين ، وهو الوصف المناسب كما قال شيخ الإسلام ، وهؤلاء لا تعصم دماؤهم بعهد ولا أمان .

فعلى المعنى الأول وهم الناكثون للعهد بغير الطعن ، فإن الذين دخلوا بلاد الكفار بأمان ثم خطفوا وقتلوا قد حصل منهم بعد نقض الكفار للعهد ـ بقتال بعض المسلمين كما يزعمون ـ ما تعصم به دماء الكفار وهو أمانهم للكفار من أنفسهم بدخولهم بلادهم ، وهو عهد جديد مجدد لعصمة الدماء حصل بعد العهد المنقوض ، فلم يحل لهم الغدر بهم .

وأما على المعنى الثاني وهم الطاعنون في الدين . فإن الكفار الذين غدر بهم في بلادهم لم يحصل منهم فيما نعمله ما يعتبر طعناً في الدين وسباً لرسول ا صلى الله عليه وسلم وأذى له ، وإنما فعلوا ويفعلون ما كان يفعله المشركون من قريش من حرب للمسلمين ، وإعانة لأعداء الله من اليهود وغيرهم ، وليس هذا هو الطعن الذي لا ينفع معه عهد ولا أمان ، وذلك أن قريشاً كانت تحارب صلى الله عليه وسلم وتصد عن سبيل الله وتحرض عليه ، وتجمع له الجموع وتقاتله ، ومع ذلك كله فقد عاهدهم ووفى لهم ، وحقن دماءهم بالعهد والأمان كما كان في صلح الحديبية ، وكما دخل أبو سفيان المدينة بعد الصلح ولم يتعرض له صلى الله عليه وسلم مع أنه كان قبل إسلامه من أعظم المحرضين على قتال صلى الله عليه وسلم والساعين في الصد عن دينه ، وإنما أهدر صلى الله عليه وسلم دماء المؤذين له الطاعنين فيه فلم تحقن بعهد ولا أمان ولا ذمة .

( الوجه الثاني ) : أننا لو فرضنا أن قادة الكفار هم من الطاعنين في الدين الذين هم أئمة في الكفر ؛ فإن هذا إنما يبيح دماءهم خاصة بحيث لا يحقنها عهد ولا أمان ، دون دماء غيرهم ممن لم يطعن في الدين ولم يسب النبي صلى الله عليه وسلم

يدل عليه أن صلى الله عليه وسلم لم يستبح من دماء الكفار المعاهدين إلا من ثبت عنه الأذى والطعن في الدين خاصة دون غيره من الكفار ، ولذلك نجد أن الذين أهدر صلى الله عليه وسلم دماءهم لأجل ذلك معدودون ؛ ككعب بن الاشرف وابن أبي الحقيق والجارية ، ولم يفعل ذلك مع باقي اليهود أو المشركين .

قال شيخ الإسلام:"وإمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه"كما سبق .

أما من كان من عامة الكفار فإنه يحقن دمه بالأمان الذي دخل المسلم بلادهم به ، فالذي حصل في بلاد الكفار من تدمير وقتل كان الضحية فيه ليسوا أئمة الكفر وإنما عامة الناس ، فهو كما لو قتل الصحابة رضي الله عنهم بعض اليهود ممن لم يطعنوا في الدين بحجة أن كعب بن الأشرف طعن في الدين ، وهذا لم يكن ، بل لم يقتل إلا الطاعن دون غيره من المعاهدين .

( الوجه الثالث ) : إننا لو تنزلنا وقلنا بجواز مثل هذا الفعل ، فإنه كما ذكرنا لا يكون إلا بإذن الإمام ، فلا يفتئت عليه فيه .

( الوجه الرابع ) : أنه يترتب عليه - على التنزل بصحته - من المفاسد العظيمة ما يربو على مصلحته . وهو ما حصل فعلاً ) .

المراجع:

1-مجموع فتاوى ومقالات ( 7/119 ) .

2-السابق ( 2/326) .

3-الذخيرة للقرافي

4-السير الكبير / باب النفل من أسلاب الخوارج

5-المعونة"كتاب الجهاد/باب الأمان"

6-الصارم المسلول ( 294 ) .

7-السابق ( 94 ) .

8-شرح السير / باب ما يكون أماناُ ممن يدخل دار الحرب والأسرى وما لا يكون أماناً.

9-باب أمان المرأة والعبد والصبي

10-باب الهدنة

11-كتاب الجزية

11-الفصل الرابع عشر / فصل تعريف الحجاز

12-كتاب الجزية / مسألة نقض العهد

13-الصارم المسلول ( 94 ) .

14-انظر ص 36 من أصل الرسالة ( الوجه الثاني ) .

15-الصارم المسلول ( ص 94 ) .

16-السابق ( ص 19 ) .

17-السابق ( ص 22 ) .

18-السابق ( 22 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت