[الكاتب: أبو محمد المقدسي]
لكن ماذا عن إسرائيل؟! أيجوز أن نغادر هذا الفصل دون أن نعرّج على ديمقراطيتها مع الفلسطينيين وعلاقات واشنطن والغرب عموماً بهذه الديمقراطية؟!
إن إسرائيل تقوم أصلا على ثقافة دينية يهودية تمتلئ كتبها المقدسة بنصوص وتبريرات لاستعباد أو إبادة جميع الشعوب التي تقع تحت سيطرتها.
انظر على سبيل المثال عهدهم القديم سفر التثنية (20/10 - 17) .
وهو على كل حال أمر معلوم لا يخفى على أحد..
لكن الذي قد يخفى على البعض أن لأمريكا ولكثيرٍ من الغربيين ارتباط وثيق بهذه الثقافة، وجذور هذا الارتباط ترجع إلى الفترة التي انتقلت فيها الدعوة إلى الأصولية البروتستانتية الإنجيلية من بريطانيا إلى أمريكا مع الاحتلال البريطاني لأمريكا..
حيث تقوم هذه الأصولية على نبوءات توراتية يهودية تدور حول دور إسرائيل الرئيس في حرب نهاية العالم (هرمجدون) التي تسبق عودة المسيح، وقد ازدادت هذه العلاقة تجذّراً في عهد رونالد ريغان الذي كان من الإنجيليين الذين رسّخوا التحالف اليهودي الأمريكي بإعلانه تأييده المطلق لسياساتها بل واعتقاده بأنه سيكون من الجيل الذي سيشهد (هرمجدون) التي ستهيئ لعودة المسيح..
وظهر المروّجون لهذه العقيدة بتكتل اليمين المسيحي تحت اسم (المحافظين الجدد) الذين تمكنوا من تحقيق فوز بوش الأب وجاء بوش الابن ليكمل المسيرة ولكن بقوة وعلنية أكبر وأوسع، حيث انخرط في التحالف الصليبي اليهودي الموجه ضد الإسلام، وأفرز تحالف المحافظين الجدد مع الأصوليين الإنجيليين التوحد الكامل بين أمريكا وإسرائيل، توحد يقوم على أساس عقائدي ديني..
حتى إن (توم ديلاري) وهو من المحافظين الجدد يقول: (إسرائيل لا تعتبر مشكلة في الشرق الأوسط بل إسرائيل هي الحل) اهـ.
والحل عند هؤلاء المتطرفين أن تحقق إسرائيل النبوءة التوراتية المزعومة، فتهدم المسجد الأقصى لتبني مكانه الهيكل لتهيئ لعودة المسيح بعد معركة (هرمجدون) حيث سيتبع اليهود جميعهم المسيح ويؤمنون به بحسب عقائد هؤلاء الصليبيين، والحقيقة أنهم سيتبعون المسيح الدجال لأن المسيح الحقيقي لم يؤمنوا به بل حاولوا قتله..
وهكذا فإن حقيقة العلاقة بين أمريكا وإسرائيل لا تقوم فقط على توحد المصالح والسياسات والتطلعات بل وتوحّد العقيدة والمصير.. فتطلعاتهم وسياساتهم وعلاقتهم تستلهم رؤاها من أفكار وعقائد الأصولية الصليبية اليهودية مباشرة، وعندما نقول أصولية هنا فلا نعني ارتكازهم إلى أصول المسيحية التي قررها المسيح، كلا! بل نعني اعتمادهم على أصولهم التوراتية المحرفة..
وعليه فدولة كأمريكا تتحرك من هذا المخزون العقائدي الخبيث وتتحكم بسياساتها ثلة من المتطرفين المؤمنين بنبوءاته؛ لا يمكن أن تتخلى أبداً عن حليفتها العقائدية إسرائيل، وستكون قطعاً كاذبة مخادعة في أي وعود قد تقطعها إذا ما كانت تخالف مصالح إسرائيل في المنطقة..
يقول (كولن باول) : (منذ أن قامت دولة إسرائيل قبل 50 عاماً والولايات المتحدة ملتزمة التزاماً متواصلا باتجاه إسرائيل، دولتان مرتبطتان معا إلى الأبد بواسطة قيم وأعراف مشتركة، وهذا لن يتغير إلى الأبد) اهـ. الدستور 25/11/2003م
ولذلك فلا ينبغي للمتابع للسياسة الأمريكية وتصريحات مسئوليها المتعاطفة والمؤيدة دوما لإسرائيل وفي كل الظروف والأحوال أن يستغرب ذلك أو أن يتوقع غيره مهما اقترفت إسرائيل من جرائم أو مجازر أو مخالفات وخروقات، وستبقى المكاييل والمعايير والمبادئ والقيم والأعراف والقوانين تتغير وتتلون وتتأرجح عند الساسة الأمريكان لتوافق المصالح الإسرائيلية..
ولذلك ورغم أن استطلاعات الرأي الشعبية الغربية قد أظهرت أن غالبية الغربيين يعتقدون أن إسرائيل أكبر خطر على الأمن والسلام العالمي؛ إلا أن أعتى ما قد يصدر من أمريكا وأوروبا الرسمية من نقد لإسرائيل لا يمكن أن يتعدى في أفظع صوره وفي حال أخطر التجاوزات والمجازر الإسرائيلية عتب أم صبورة وتعاملها مع ابنها الشقي الأرعن الذي تحاول أن تلفت نظره بلطف بالغ كي لا يؤذي نفسه متحملة شتائمه وقرفه وإهاناته.
وبالنسبة للسلاح النووي والكيماوي الذي تمنع أمريكا من امتلاكه خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط مخافة أن يقع تحت أيد إسلامية أو حكم إسلامي في يوم من الأيام..
فهذا المنع لا يطال إسرائيل أبداً، ولا تُحاصر أو تعاقب أو تُحارب كما يحارب ويحاصر غيرها ممن قد يفكر بامتلاك ذلك، بل هو حق مشروع لها تحتاجه لضمان أمنها، أما الآخرون فلا أمن لهم ولا سلام ولا حتى حياة.. أرأيتم الديمقراطية الأمريكية؟!
إسرائيل تمتلك اليوم زهاء ستمائة رأس نووي ولديها ترسانة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وبرامج ضخمة لتطوير السلاح، وتستفيد من جميع برامج التكنولوجيا الأمريكية في مجالات التسلح والأقمار الصناعية وغيرها..