نايف ذوابه 4/5/1426
في مطلع القرن العشرين حينما كانت بريطانيا العظمى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وتتربع على عرش عصبة الأمم، وتجثم على صدر العالم، وتصنع الأحداث فيه، كانت أساطيلها تجوب العالم شرقاً وغرباً تحمي نفوذها بالقوة العسكرية، وبالنشاط الاستخباري الذي كان ينخر في جسم دولة الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية) لتمزيقها، وتفتيتها. وبالغزو الثقافي والفكري وتشجيع الفكر الباطني ورعاية التصوف والحركات الصوفية، ومن خلال بعث القوميات واستعداء كل قومية على الأخرى, و بعث المشاعر الوطنية والمناداة بما يسمى بِ (الاستقلال الوطني) وتشجيع الحركات الانفصالية التي عملت على ضعضعة دولة الخلافة وإضعافها وتمزيق أوصالها.
في هذه الفترة دعا رئيس الوزراء البريطاني حينئذ إلى مؤتمر سُمّي بمؤتمر"الطاولة المستديرة"، طرح على المدعوين والمؤتمرين فيه ( سياسيين، ومؤرخين، ورجال اقتصاد، ورجال دين، وفلاسفة، وعلماء اجتماع ...) سؤالاً يدور حول الأخطار التي تتعرض لها بريطانيا العظمى؛ لتحديد مكمن الخطر ووجهته، فأجمع المؤتمرون على أن الخطر الذي يهدد الإمبراطورية البريطانية يأتي من الشرق، وحُدّد مكان الخطر ومكمنه بالجزيرة العربية خاصة و ما حولها؛ لأنهامنطقة تضم نسيجاً بشرياً متجانساً في العقيدة والأفكار والمشاعر، ونوّهوا بأن هذه المنطقة -بالإضافة إلى ما تمتلكه من مقومات فكريّة- تمتلك مقومات ديموغرافية واقتصادية هائلة، وعبّروا عن ذلك بقولهم: إن هذه المنطقة مستودع من المال والرجال!!
وهكذا توجّهت أنظارهم إلى هذه المنطقة يرقبون فيها كل حركة، ويرصدون كل تطور أو تغير على إيقاع الأحداث فيها، وقد عزموا على تمزيقها إلى قطع فسيفسائية صغيرة وضعيفة لا تقوم لها قائمة، ولا يجتمع لها شمل، بتقسيم المجزّأ وتجزئة المقسّم، وجعلوا في كل منطقة مشكلة تستدعي وجودهم الدائم لتهدئتها، والتوسط لحلها، بحيث يضمن ذلك لهم إحكام السيطرة على المنطقة وأهلها، ويمكّنهم من نهب ثرواتها.
وهكذا لم ينصرم عقدان -تقريباً- من القرن الماضي بعد هذا المؤتمر حتى تمت تجزئة المنطقة من خلال اتفاقية سايكس بيكو وغدر الإنجليز المشهور للشريف حسين وأبنائه، ثم المؤامرة الكبرى والجناية على أمة الإسلام بهدم خلافتهم، وانفراط عقدها بإلغاء الخلافة العثمانية، وقطع الرابطة والرحم الحميمة بين تركيا حاضرة الخلافة، وبين المسلمين في كل أقطار الأرض، وفعلاً أصبح المسلمون -منذ ذلك اليوم الأسود- أيتاماً على مآدب اللئام، لا يرقب فيهم أعداؤهم إلاًّ ولا ذمة، ولا يتورّعون عن الإمعان في إذلالهم وتجويعهم، واصطنع المستعمر الماكر ثورات استقلال، قادها أناس جندهم لخدمته، حملوا أفكاره، وتشبعوا بمثله وقيمه وجعلوه قدوة لهم.
واستقلت هذه الأوطان في الظاهر بينما كانت في حقيقتها تحمل الولاء له، وترتبط بمعاهدات سرية ترتهن فيها البلاد والعباد لهذا المستعمر؛ فخرج الاستعمار من الباب وعاد من الشباك، من خلال دمًى خلّفها على الأوطان التي صنعها، ومنحها علماً ونشيداً وطنياً، وسن لها دساتير تحاكي دساتيره لكنها تحمل كل تناقضاتها ومثالبها، واستثنى من هذه الدساتير الوضعية كل قانون يمنح المواطن الحرية أو الكرامة أو الإنسانية .
ولم ينس المستعمر الداهية الذكي أن يجعل لكل قطر من هذه الأقطار يوما للوطن سمّاه"عيد الاستقلال"يحتفل الناس فيه بيوم إذلالهم وغربتهم في أوطانهم، وتجزئتهم، واستعداء بعضهم على بعضهم، ويحتفون بصور الهوان التي يعانيها كل مواطن عربي حين ينتقل من بلد إلى بلد، ومن حد إلى حد، وممّا سُمّي دولاً، وبعضها لا يملك مقوّمات الدولة، ولولا مساعدات الأجنبي لما كُتب لها الحياة شهراً واحداً، ولكن المستعمر أرادها دولة بل مخفراً يحرس التجزئة ويحول دون الوحدة، ثم تطور الدور الإقليمي ليكون توفير الحماية لكيان يهود، والسهر على أمنهم وراحتهم!!
ولا نعرف عمّن استقل هذا الوطن الأشم، إلا إذا كان حقاً قد استقل عن أخيه وجاره، عن الوحدة الحقيقية التي كانت تجمع المسلمين في ظل دولة واحدة بعد أن نجح الكافر المستعمر في أن يجد ضالته في فئة حاربت إلى جانبه، حاربوا دولة الخلافة، وأدخلوا الذئب إلى الحظيرة ليفترس ويسرق كما يشاء، وليفرّق بين الأخ وأخيه، بل ليجند الأخ لقتال أخيه باسم الاستقلال، برعاية جيوش كان يقودها لورنس العرب، الذي حرث البلاد العربية في مطلع القرن الماضي، وهو يتنقل فيها ضمن حملة للتنقيب عن الآثار، بينما كان في الحقيقة يضع علامات لترسيم الحدود الجديدة بين شعوب المنطقة؛ استعداداً للحظة التي تلفظ فيها دولة الخلافة الإسلامية العثمانية أنفاسها، ويتحوّل المسلمون الإخوة إلى أعداء يتصارعون على الحدود التي وضعها الأجنبي بينهم، حراساً للتجزئة!!