فهرس الكتاب
هكذا تحولت الأمة الواحدة التي ألّف الله بين قلوبها وجمعها على حبّه وحبّ رسوله، و حب كتابه الكريم، وحبّ المؤمنين إلى أمساخ تستقوي بالأجنبي، وتصطف معه وتواليه، ثم ترفع رايات الاستقلال عن الأجنبي ادّعاءً وسفهاً، ويلبس الرجال الرجال أوسمة ونياشين البطولة احتفاءً بتمزيق أمتهم، وإذلال شعوبهم، بينما الثعالب تسرق وتنهب وتصفق للمغفلين!
أما الشعوب المغلوبة على أمرها فاكتفت بلعق جراحها، وكظم غيظها، وغطت عيونها ووضعت أصابعها في آذانها، وأطبقت على الأسى والهوان أفواهها!!
وأضربت هذه الدول"المستقلة"عن حب الله ورسوله وكتابه لتتفانى في حب الوطن... حب الوثن الذي صنعه المستعمر، ولتتفانى في حرب الله ورسوله وحرب أوليائه من المؤمنين المخلصين العاملين لوحدة الأمة، المحاولين لاستنقاذ الحمى المُستباح، الداعين لاستئناف الحياة الإسلامية، وتوحيد المسلمين تحت راية واحدة، وفي ظل كيان واحد!!
وفي مطلع القرن الماضي بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وبعد أن انتصر الحلفاء في الحرب زار تشرشل وزير المستعمرات البريطاني حينئذ القدس، والتقى الأمير عبد الله بن الشريف حسين بن علي ليتداول معه شؤون المنطقة، ولينقل له تصور الحكومة البريطانية لخارطة المنطقة بعد أن اتفقت مع فرنسا، وقد أبلغ تشرشل الأمير عبد الله بأن على أخيه فيصل أن ينسحب من سورية، ويتوجه إلى العراق ليصبح ملكاً عليها، وأن على عبد الله نفسه أن يصبح أميراً على الأردن، ولما أبدى الأمير اعتراضه قائلاً: إن عرش العراق يقرّره أهل العراق!! مصّ تشرشل غليونه ونفخ الدخان في وجه الأمير عبد الله!! هذا ما ذكره ناصر الدين النشاشيبي في كتابه"من قتل الملك عبد الله"، وطبعاً الإنجليز هم الذين قتلوا الملك عبد الله بعدما بدأ يبدي تبرّمه بهم، ويعزف عن استشارتهم والاتصال بهم.
هكذا صُنعت هذه الأوطان؛ بإرادة المستعمر الأجنبي، ولخدمته وحراسة نفوذه، ومن لا يصدق فليتابع تصريحات الزعماء الإسرائيليين الذين يبدون دهشتهم من تهافت الزعماء العرب على التطبيع مع إسرائيل واستجداء رضاها، والاصطفاف في الطابور الطويل ليحجزوا لهم دوراً لزيارتها على الرغم من أن إسرائيل تستخدم أبشع أساليب العنف في إبادة الفلسطينيين!!
وقد عبّرت وزيرة العدل الإسرائيلية تسيفي ليفني عن هذه الدهشة بقولها:"حتى عندما كان يتملكني التفاؤل، وأقع أسيرة أحلامي الوردية لم أكن أتصور أن نُفاجأ بهذه المؤشرات على الرغبة العربية بالتطبيع معنا على الرغم من الحرب التي لا هوادة فيها التي تشنها حكومتنا على الفلسطينيين لإخماد انتفاضة الأقصى...!!"
ومن لا يصدق، ويستعصي عليه فهم معنى الاستقلال في بلاد العرب فليتابع دور مصر والأردن في فك الارتباط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولينتبه إلى ما طلبته إسرائيل من مصر أخيراً بالسماح للجيش المصري للتواجد في مناطق كان محظوراً عليه التواجد فيها وفق اتفاقيات كامب ديفيد، وهذا التواجد (بناءً على طلب إسرائيل) ليس استعادة للسيادة، ولا صوناً للاستقلال والكرامة، بل لمراقبة الحدود المصرية الإسرائيلية مراقبة صارمة لتوفير الحماية والأمن للإسرائيليين!!
العالم كله يتجه للوحدة، والعالم العربي والإسلامي المنكود يتجه لمزيد من الاحتراب والتجزئة!
أوروبا تصوت للدستور الأوروبي، وهي التي يمزّقها تاريخ من الحروب والدماء، ويفصل بينها خنادق من العداء المستحكم تعقد فوق هذه الخنادق جسور الوحدة، والسياسيون في العالم العربي يهتفون للتجزئة، ويسعون إليها بأرجلهم وأيديهم وقلوبهم سعياً حثيثاً!!
باسم الاستقلال يشربون أنخاب التجزئة!
ونقول فليحيى الوطن!