فهرس الكتاب

الصفحة 19616 من 27364

مجلة البيان - (ج 10 / ص 42)

ناصر إبراهيم البريدي

احتل الاستعمار بلاد المسلمين سنوات طويلة ، وقد بذل في هذه السنوات من الجهود الجبارة لحرب الإسلام والمسلمين ، ما يعجز القلم عن تسطيره في مثل هذه العجالة ، ولم يخرج منها إلا وقد اطمأن إلى أنه قد خلف جنودًا يحملون رسالته ، ورجالاً يذبون عن أهدافه ، يحيون ويموتون في سبيله ، وإن كانوا من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا ، كثير منهم يركعون ويسجدون معنا ويصلون في مساجدنا .

ولمواجهة الخلافة الإسلامية - التي كانت قائمة في آخر عهد الدولة العثمانية- تبنى الاستعمار لغة القوميات التي أتت على أمتنا بالشرور والويلات .

وبعد أن قضى على الخلافة العثمانية ، جاءت اتفاقية (سايكس - بيكو) التي قطعت فيها الأمة العربية إلى دويلات ، وشتت شمل المسلمين من خلال تلك المؤامرات. وبعد أن ارتفع صوت القومية طويلاً وأدى جزءاً من الأهداف المرسومة له ، ظهرت دعوة أخرى - لا تقل خطرًا عن مؤامرة القوميين - تلك هي الدعوة إلى الوطنية ، واتخاذ الوطن إلهًا يعبد من دون الله ، وارتفع صوت الوطنيين في كثير من الدول الإسلامية يدعون إلى مبادئ تخالف دعوة الإسلام ، وتدعو إلى الانصهار في بوتقة الوطن ، واعتباره رابطًا قومياً يعلو فوق كل الروابط.

ولم يدر أولئك - ولربما علموا - ما يحمل هذا الفكر الخبيث من سموم ، وما سيجره على الأمة من مصائب ونكبات .

إننا في الوقت الذي تتداعى فيه أمم الكفر على أمتنا ، وتجتمع علينا في إطار عقيدة واحدة ، نجد بيننا من يرفع شعارًا يمزقنا ، ومبادىء تفرقنا .

إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث في قوم تحكمهم العصبيات ، وتسودهم الوثنيات ، فكان السلاح الذي رفعه - صلى الله عليه وسلم - في وجه أولئك هو الإسلام ، الذي جمعهم بعد تفرق ، وذابت فيه كل الفوارق والألوان والجنسيات والطبقات .

وفي ظل الإسلام عقدت أعظم مؤاخاة في التاريخ ، جمعت العربي مع الرومي ، والفارسي مع الأوسي ، والحبشي مع الخزرجي ، ولم يكن هناك أي اعتبار لميزان الجنس واللون والوطن .

وإن أخطر ما في مثل هذه الدعوة أن بعض المسلمين يتحمس لها ويدافع عنها بحسن نية وسلامة مقصد ، بل وتجدهم يرددون ما يزعمون أنه حديث نبوي (حب الوطن من الإيمان) وهو حديث موضوع (1) لا يجوز الاحتجاج به ولا الركون إليه .

وأشير هنا إلى أن حب الوطن أمر غريزي جبلي لا يستطيع الإنسان أن ينكره أو ينفيه ، ولكن الخطر الداهم أن كثيرًا من دعاة الوطنية اتخذوه صنماً يعبد من دون الله ، وتخلوا على مبادئهم الإسلامية باسم الوطنية (( ومِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) ) [البقرة:165] .

ولنقرأ مقاطع من مقالة كتبها أحد أولئك حيث قال:"ليس أغلى على الإنسان أو غيره من الوطن ، من الأرض ، من التراب الذي يخصه ، وعلاقة الإنسان وغير الإنسان بأرضه علاقة تختلف عن كل علاقة ، فهي أصلب ، وهي أشد".ثم يمضي الكاتب في غلوه ، فيقول:"ليس ثمة ما هو أرقى من العلاقة بين المخلوق وتربته وأرضه ووطنه".

ولم يكتف بذلك ، بل جاءت القاصمة - التي لا تقصم الظهر ، ولكن تقصم الدين-:

"إن كل شيء يذهب ويتلاشى ، إلا حب الأرض ، حب الوطن ، هو الذي يستمر مشتعلاً في الذات دائمًا أبدًا ، كالوشم الذي لا يتغير".

هذه النتيجة المتوقعة من أدعياء الوطنية ، وهذا الكاتب لا يعبر عن نفسه ، ولكنه خريج مدرسة قائمة ، علمته: كيف يحب ، ومن يحب ، ومتى يحب .

نسي هذا الكاتب -أو تناسى-أن الحب في الله ، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان ، وتجاهل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (2) .

ونتيجة لهذا الغلو والإفراط أصبحوا من أجل الأرض يحبون ، وفي سبيل التراب يبغضون ، وفي ذات الوطن يوالون ويعادون .

نعم . . كل إنسان يحب وطنه ، ولكن المسلم يجعل هذا الحب في إطاره الصحيح ، فهو حب طبيعي فطري ولكنه لا يقدمه - بحال من الأحوال - على حب الله وحب رسوله ، ولا يساويه بحب دينه ، بل ولا يرقى حب الوطن إلى حب الوالدين .

إذا هو حب يحكم بحب أسمى منه والعلاقة بالوطن تخضع لعلاقة أقوى منها.

أما أن يصل حب الوطن إلى أن يقول شاعرهم:

وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه بالخلد نفسي

فهذا حب لا يقره الإسلام ولا يرضاه بل يمقته ويأباه.

إن حقيقة الدعوة للوطنية تبرز عندما تتعارض مصلحة من مصالح الوطن - الموهومة - مع مبادئ الإسلام وقيمه الحقيقية ، نجد إن دعاة الوطنية يقدمون تلك المصلحة الظنية على ما يقره الإسلام ويدعو إليه .

ولأولئك نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد ذم المنافقين الذين فضلوا البقاء في الأوطان على الخروج منها للجهاد في سبيل الله فقال:

(( ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) ) [النساء:66] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت