فهؤلاء أساؤوا في إدراك الكيفية الحقيقية لحب الوطن، فجعلوها ألحانًا وترانيم وطقوسًا وشعارات لا تمت إلى الوطنية الصحيحة بصلة، فنشأت أجيالٌ هزيلةٌ في ولاءَاتها، ساذجة في مخزونها الفكري بل والعاطفي، فالحب الحقيقي للوطن هو الذي يُقدّس العقيدة ويرسخها في الأجيال، فينشأ عنها حبّ الوطن لإيمان أهله وإسلامهم، وخلوّ أرضهم من مظاهر الشرك والبدعة.
إنّ الحبّ الحقيقي للوطن لا يمتّ إلى هذه المظاهر بصِلة، بل يتبرّأ منها أشدّ البراء وآكده؛ إذ إننا لا نفهم الوطنية الحقّة إلا عقيدة راسخة ومجتمعًا موحّدًا وشعبًا عفيفًا وقيادة راشدة، ولا نفهم الأمن إلا أمن التوحِيد والإيمان، وأمن الأخلاق والشرف، وأمن المال والعرض والدم، قال الرب تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام:82] .
أيها المسلمون، إنَّ الحب الحقيقي للوطن يتجلى في أمور منها:
1-الحرص الأكيد والعمل الجاد في نشر العقيدة الصحيحة لتعم أرجاء الوطن؛ كي يتمتع المواطنون بالإيمان الحقيقي بالله تعالى، ويصدقون في حُبه والاعتماد عليه وحده دون غيره، حتى إذا ما حاولت قوة في الأرض الاعتداء على دينهم وعقيدتهم أو استباحة أرضهم وأموالهم إذا بهم ينتفضون انتفاضة الأسد دفاعًا عن الدين والعقيدة، وذبًا عن الأعراض والأوطان، معتمدين على الله تعالى دون غيره، موقنين بأن قوته الباهرة كفيلة بهزيمة أي عدو غاشم وعقر كل جواَّظ غليظ وقهر كل صائل أثيم.
2-القضاء المحكم على أسباب الشرّ والرذيلة وعوامل الخلاعة والميوعة التي تغرق المجتمع في أوحال الفساد والخنا، فتنشأ الأجيال الشهوانية العابدة لملذّاتها ومتعها الرخيصة، بحيث يتعذر عليها القيام بأدنى دور ذي بال يحفظ لها كرامتها وشرفها عند تعرّضها للامتهان على يد عدو متربص وصائل حاقد؛ إذ إن تجفيف منابع الفساد والفتنة هو الكفيل بصنع الرجال الحقيقيين، المحبين لربهم ودينهم، المدافعين عن وطنهم المؤمن الموحد بصدق وعزيمة.
3-التواصل الحقيقي بين الأفراد والجماعات، وإزالة أسباب التفرقة والخلاف بين أفراد المجتمع، وقيام روح النصيحة والتعاون والتكاتف في وجه التيارات القادمة.
4-الانتظام التام في المحافظة على الآداب الشرعية والنظم العادلة المرعية التي تسعى إلى جمع الكلمة بين الراعي والرعية، سمعًا وطاعة بالمعروف، وأداء للحقوق والواجبات، كل فيما له وعليه.
5-وتتجلى المواطنة الصادقة في رعاية الحقوق واجتناب الظلم، وبالأخص الحقوق واحترام حق الغير، والسعي الجاد من كل مواطن مسؤول أو غير مسؤول لتأمين الآخرين على أموالهم وأنفسهم، ولا خير في وطنية تقدس الأرض والتراب وتهين الإنسان، فالوطن حقًا هو الإنسان الذي كرمه الله بالإنسانية وشرفه بالملة المحمدية.
6-وتتجلى كذلك في أداء الحقوق، بدءًا من حق الوالدين والأرحام، وانتهاء بحقوق الجيران والأصحاب والمارة. وكذلك الاستخدام الأمثل للحقوق والمرافق العامة التي يشترك في منافعها كل مواطن ومواطنة. تلك التي تكرس المحسوبيات وتستغل النفوذ وتتساهل في المال العام وكأنه كلأ مباح أو فرصة سانحة لا تؤجل.
عباد الله، ليس الشأن في الوطنية هو الاهتمام بقشورها ومظاهرها الخارجية، من تقديس لصورةٍ أو عَلَم مع امتهان أصولها الراسخة.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين...