فهرس الكتاب

الصفحة 3594 من 27364

بقلم: إبراهيم السوداني*

تعتبر العولمة القضية التي كثر الحديث عنها فجأة ليس فقط على المستوى الأكاديمي، وإنما أيضا على مستوى أجهزة الإعلام والرأي العام والتيارات الفكرية والسياسية المختلفة. ولا يمكن الجزم إذا قلنا أن هناك الآن سيلا أشبه بالطوفان في الأدبيات التي تتحدث عن هذا الموضوع. ولم يعد الأمر يقتصر على مساهمات الاقتصاديين وعلماء السياسة أو المهتمين بالشؤون العالمية، بل تعدى الأمر ليشمل مساهمات الاجتماعيين والفلاسفة وإعلاميين والفنانين وعلماء البيئة والطبيعة...الخ.

وباعتبار قضية العولمة لها من الجوانب والزوايا الكثيرة ما يثير اهتمام كل هؤلاء. ووسط هذا الكم الهائل من الكتابات عن العولمة (الموجودة حاليا بالسوق) . ويكاد المرء يحتار في كيفية الإلمام بهذا الموضوع أو فهم حقيقته، خاصة وأن كل كاتب عادة ما يركز تحليله عل جانب معين من العولمة، مثل الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو الإعلامي أو الثقافي ... ولهذا أصبح من الضروري أن نتخصص في الجانب الثقافي لتناول هذه القضية، فما هو إذن مفهوم العولمة؟ وما هي تجلياتها الثقافية؟

مصطلح العولمة

مصطلح العولمة مصطلح جديد ظهر في العالم الغربي في بداية التسعينيات. وقد سبقه حدثان ضخمان أثرا في حركة العلاقات الدولية واتجاهاتها وعى موازين القوى في العالم: الأول هو سقوط المعسكر الشرقي،الذي اتخذ من سقوط جدار برلين شعارا له عام 1989م، كذلك الذي أنهى فترة من الحرب الباردة بين المعسكرين (وارسوا/الأطلسي) . تلك الحرب بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وصاحبها حالات من الاستقطاب والمد والجزر في علاقات هذين المعسكرين؛ بحيث وصلت في الجزر إلى التهديد بحرب عالمية ثالثة، (مباشرة أثناء أزمة الصواريخ الكوبية) ، وفي المد وصلت إلى الإنفاق على تقسيم مناطق نفوذ في بقاع العالم، وبين ذلك حصلت حروب بالوكالة كما حصل في فيتنام وأفغانستان. وقد أتاحت حالة الحرب الباردة والصراع والتنافس العالمي على مناطق النفوذ وجود هامش من الحرية لما سمي ب (دول عدم الانحياز) مكن ذلك كثيرا من الدول من الاستقلال عن الدولتين الكبيرتين أو إحداهما.

ثم جاء الحدث الآخر الكبير وهو حرب الخليج الثانية في عام1991م؛ وهي حرب شبه عالمية لكن من طرف واحد ودون تكافؤ في القوى. وانتهت هذه الحرب كما -هو معلوم- بانتصار أمريكي غربي أضيف إلى النصر التاريخي على المعسكر الشرقي. هذان الانتصاران أتاحا لأمريكا نوعا من السيادة العالمية.. مستغلة تقدمها التقني والاقتصادي وقوتها العسكرية في تكريس هذه السيادة.فبدأ في هذا الظرف التاريخي ظهور مصطلحات جديدة مثل (العالم الجديد) ومثل (العولمة) وهذا المصطلح الأخير اخذ حظه من الانتشار باعتبار أنه يمثل حركة الهيمنة والسيادة الغربية بأسلوبها الحضاري الجديد، وظهرت أعمال وكتابات كثيرة لدى الغربيين تؤدلج هذه الفكرة مثل فكرة (نهاية التاريخ) ، وكذلك فكرة (صراع الحضارات) وإن كانت سابقة لفكرة نهاية التاريخ إلا أنها قد اشتهرت أخيرا.

بعض تعار يف المفكرين للعولمة

يقترح سمير أمين التعريف التالي لصيرورة العولمة بحيث يقول إن العولمة هي:

"الاختراق المتبادل في الاقتصاديات الرأسمالية المتطورة بدرجة أولى، ثم توسيع المبادلات التجارية بين الشمال والجنوب على اعتباره يمثل سوقا مهما".

ويعرض عمرو حمزاوي العولمة على أنها:"تكثيف للتبادل التجاري والثقافي والمعلوماتي بين أقاليم العالم المختلفة، وتصاعدا لمعدلات التأثير المتبادل بين السياقات المحلية". أما فتح الله ولعلو فيقدم تعريفا تقنيا واقتصاديا معتبرا أن العولمة كنظرية تعني:"توسيع الكتلة المالية والكتلة التواصلية، مما يؤدي على إزالة الحواجز بين السواق المالية ... تتجاوز البنيات الدولية والوطنية، وظهور أشكال تنظيمية جديدة في ميدان الإنتاج وأساليب التسويق". ويقدم محمد الأطرش تعريفا مركزا للظاهرة يقول فيه بأن:"العولمة هي اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة، وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والثقاة ضمن إطار رأسمالية السواق الحرة". من جهة أخرى يرى د.عزمي بشارة أنها:"طغيان قوانين التبادل العالمي المفروضة من قبل المراكز الصناعية الكبرى على قوانين وحاجات الاقتصاد المحلي".

2.هل هي نهاية عهد السيادة الثقافية؟

تنتمي السيادة الثقافية إلى كيان الدولة الوطنية وسيادته. وظلت الثقافة الوطنية تستمد سيادتها من ذاتها في سائر الظروف من: تربية الأجيال وتكوين الأطر معبرا عنها في الممارسة من خلال مؤسستي الأسرة والمدرسة.

* الأسرة: هي أول وأهم المصانع الاجتماعية التي تنتج الوجدان الثقافي الوطني بوساطة شبكة القيم التي يبنيها الدين والأخلاق العامة. ويتلقى الطفل في هذه المؤسسة التكوينية لغته ومبادئ عقيدته، والقوالب الأخلاقية الضرورية لسلوكه. وكذلك يتلقى بعض مبادئ الأنا الجمعي.

* المدرسة: وهي مؤسسة الإنتاج الاجتماعي الثانية التي تستأنف عمل الأولى، وتنتقل أهدافها إلى مدى أبعد من حيث البرمجة و التوجيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت