إبراهيم غرايبة
في كتابه"الاختيار"يذكر مستشار الأمن القومي الأسبق بالولايات المتحدة زبيغنيو بريجنسكي الأميركيين بوجوب عدم الخلط بين قوتهم والقوة غير المحدودة، فرفاهية الولايات المتحدة الأميركية متشابكة مع رفاهية العالم، والانشغال - الناجم عن الخوف - بالأمن الأميركي المنعزل، والتركيز الضيق على"الإرهاب"، وعدم المبالاة بشواغل الإنسانية القلقة سياسيًا؛ لا يعزز الأمن الأميركي، ولا يتوافق مع حاجة العالم الحقيقية للقيادة الأميركية، وما لم توفق الولايات المتحدة الأميركية بين قوتها الطاغية وجاذبيتها الاجتماعية المغوية والمضطربة في آن معًا فقد تجد نفسها وحيدة وعرضة للهجوم فيما تشتد الفوضى العالمية.
فسيؤول كل شيء إلى الزوال، والهيمنة ما هي إلا مرحلة تاريخية عابرة، ولاحقًا إن لم يكن قريبًا جدًا سوف تتلاشى السيطرة العالمية للولايات المتحدة الأميركية، ولذلك فليس مبكرًا على الأميركيين السعي إلى تحديد شكل الميراث النهائي لهيمنتهم.
تتعلق الخيارات الحقيقية بالكيفية التي يجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تمارس هيمنتها وفقها، وكيف يمكن تقاسم هذه الهيمنة ومع من؟ وإلى أي أهداف نهائية ينبغي تكريسها؟ وما الغرض المحوري للقيادة العالمية غير المسبوقة للولايات المتحدة الأميركية؟
يتعين أن يكون أمن الشعب الأميركي الهدف الأول للسياسة الأميركية العالمية، لكن الأمن القومي المنفرد وهم خرافي، فيتعين أن يتضمن السعي وراء الأمن جهودًا تبذل من أجل جمع دعم عالمي واسع، وبخلاف ذلك يمكن أن يتحول الاستياء إلى تهديد متعاظم لأمن الولايات المتحدة الأميركية.
وفي غضون السنتين اللتين تلتا أحداث 11 أيلول/ سبتمبر بدأ التضامن العالمي الابتدائي مع الولايات المتحدة الأميركية بالتحول على نحو متزايد إلى عزلة أميركية، في حين تراجع التعاطف العالمي أمام الشكوك الواسعة الانتشار بالدوافع الحقيقية لاستخدام القوة الأميركية.
لقد أوجد احتلال العراق تناقضًا مربكًا، فلم يسبق أن كانت القدرات العسكرية الأميركية العالمية بهذا القدر من المصداقية، لكن المصداقية السياسية العالمية لم تكن بهذا القدر من التدني، واتضح أن تبرير شن الحرب على العراق لم يكن صحيحًا، وهذا ما ألحق الضرر بالموقف الأميركي العالمي، لا أمام اليسار الأميركي فقط بل أمام اليمين أيضًا، وبما أن الشرعية الدولية تنبع بدرجة كبيرة من الثقة فلا ينبغي أن ينظر إلى الأضرار التي لحقت بالموقف العالمي للولايات المتحدة الأميركية على أنها تافهة.
إن التركيز الأساسي على الإرهاب جذاب سياسيًا على المدى القصير، فهو يتميز بالبساطة وبتضخيم عدو مجهول، واستغلال المخاوف الغامضة يمكن من حشد الدعم الشعبي، لكن الاعتماد على ذلك كاستراتيجية بعيدة المدى يفتقر إلى القوة المستمرة، ويمكن أن يكون باعثًا على التقسيم على الصعيد الدولي، ويمكنه أن يولد جوًا من عدم التسامح مع الآخرين، ويطلق العنان للعواطف العصبية، ويمكنه أن يخدم كنقطة لوصف الولايات المتحدة الأميركية الاعتباطي للدول الأخرى بالخارجة على القانون، ونتيجة لذلك فإنه يشكل خطرًا من أن تصبح صورة الولايات المتحدة الأميركية في الخارج منهمكة في شؤونها الخاصة، وتكسب الأيديولوجيات المعادية للولايات المتحدة الأميركية مصداقية دولية بتسمية أميركا بأنها شرطي بلدي عين نفسه بنفسه.
أدى الجمع بين الاستنتاجات الاستراتيجية الثلاثة المستخلصة من تعريف الإرهاب بأنه التهديد المركزي للأمن الأميركي، أي كل من ليس معنا فهو ضدنا، وأن الاستباق والتدخل العسكري مبرران، وأنه يمكن أن تحل مكان التحالفات الدائمة تحالفات خاصة؛ إلى إثارة قلق واسع في الخارج، فالأول ينظر إليه على أنه استقطاب خطر، والثاني ينظر إليه على أنه لا يمكن التنبؤ به من الناحية الاستراتيجية، والثالث مثير للاضطرابات من الناحية السياسية، وباجتماعها معًا تسهم في تقديم صورة عن الولايات المتحدة الأميركية بأنها قوة عظمى تتزايد اعتباطية.