محمد الدحيم 21/7/1427
المثقف أيًّا كان توجُّهه فهو يتحمل مسؤولية الكلمة التي يقولها وينشرها؛ إذ يفترض أنه صاحب رسالة وهدف يسعى من خلال ثقافته الوصول إلى هذا الهدف وإيصال تلك الرسالة.
والنبل في الأهداف والسمو في الرسائل لن يكون مسوّغًًا للأخطاء والمغالطات التي يرتكبها المثقف بسبب المناهج والوسائل والخطط غير المدروسة والمرتجلة أو غير المتناسقة مع الواقع وتحوّلاته، والتي يذهب ضحيتها المجتمع المتلقي بأطيافه كلها.
لست هنا أريد أن أحاسب المثقف أو أدقق عليه، ولكن الذي أريد قوله وحكايته أن الضحيّة لثقافة الفوضى، ليس المجتمع المتلقي فقط! ولكن أبرز الضحايا وأخطرها هو المثقف نفسه؛ إذ سوف يفقد مصداقيته ويتحوّل إلى فقاعات في فضاء، والتعامل هو مجرد الزمن، ولقد شاهد العالم هذا التحوّل وعاش المتلقي أزمة بمثقفيه، وكشف الإعلام عن عورات. فلماذا؟ ونحن في مرحلة تُعدّ بدائية إذا ما قيست بالتقدم الثقافي عند الغير! وكيف الحل لهذه المشكلة الآخذة بالاتساع، والتي نخشى أن يتوارثها الجيل؟
هذا التساؤل والمحاولة في المعالجة لن يكون مسؤوليتي ككاتب لهذه المقولة وحدي، ولكنه يستدعي مراجعة شاملة يشارك فيها صُنّاع القرار وحَمَلة الأقلام ومنابر الإعلام، وتستحق عقد اللقاء والمؤتمر؛ لأن بناء الثقة في الثقافة لو أنهدم بمعول المثقف فستكون الخسارة كبيرة لا تغني فيها الترميمات والتحسينات، لاسيما ونحن نعاني التراجع والتخلّف في الكثير من النواحي العلمية والثقافية!
هنا سأشارك بطرح الرأي حول هذه الحالة (أزمة مصداقية المثقف) من أين نشأت؟ وما هو الحل؟
لقد وجدت هذه الحالة من شيئين:
1-تراكمات ومورثات لأخطاء في التركيبة الثقافية لحظة نشأة العلوم وتأسيسها (ومَن يوظف مَن) في تلك المرحلة، ثم تحوّلت تلك التراكمات إلى أشبه بالأيديولوجيات والمقدسات، رافق ذلك عدم الرغبة في التحديث والتطوير والتفكيك وتعدّد القراءات، وربما وصل الأمر إلى اعتبار محاولات مثل تلك زندقة ورِدّة -عند قوم- واعتبارها ضعفًا في الولاء والانتماء -عند آخرين- أو لاعتبارات أخرى من أبسطها وأصدقها أننا قوم وجدنا آباءنا على أمة ولم نتعود على التغيير والمراجعات.
2-المثقف -المحدث- وجد نفسه أمام تلك التراكمات من جهة، وبين المستجدات المتلاحقة من جهة أخرى، فتخلقت أمامه ثنائيات خطيرة تتمثل في (التراث والمعاصرة) (القدامة والحداثة) و... وقد تفاجَأ بما لم يفكر فيه، وهو يعتبر نفسه إصلاحيًا بثقافته فخنقته الثنائيات، وقذفت به في ثنائية أخطر وهي (الانتماء أو الارتماء) ليفقد بذلك منهجية الاعتدال والتوسّط، وهكذا أصبحت أوراقه مخلوطة يطالب بكل شيء ويمانع كل شيء، أي يتناقض في كل شيء، وكانت مخرجاته الثقافية تعيش التصادم بين أولها وآخرها في عمر لا يتجاوز عشر السنوات، مما لا يجعلنا نقبل الاعتذار المقدم على هيئة مراجعات.. بل لا نفسر ذلك إلا بالنزق والفوضى وحب الظهور، ولو من مسرح الإصلاح وإذاعة التقوى وتلفاز العز.
إذن نحن أمام مشكلة اجتماعية وثقافية في آن واحد، وهذه المشكلة من إنتاج الثقافي نفسه، فما هو الحل؟ وهل ننتظر من عقلية المشكلة ذاتها أن توجد لنا حلاً؟
أعتقد أننا لن نستفيد من عقلية المشكلة سوى الاعتراف الصريح بالمشكلة، فلعل وعسى أن يوقف هذا الاعتراف النزف؛ ليتمكن المصلحون من التفكير وإعادة التشكيل.
أما الحل من رؤيتي فسوف أوجزه بنقاط أشبه بالخطوط العريضة مطروحة للتفكيك والقراءة والمداولة والرد والنقض.. وكل ممارسات النقد.
أولاً: إحياء دور المؤسسة الثقافية الرسمية، والانتقال بها من الإدارة إلى الممارسة، وتكون طواقمها القيادية من المهتمين لا من الموظفين؛ أي الذين يعملون بروح المثقف لا بنفسية الموظف.
ثانيًا: تخصص المثقف وتصنيف المثقفين من واقع إنتاجهم، لا من واقع تحصيلهم الأكاديمي؛ لأن جامعاتنا -وللأسف- لم تعد مقياسًا كافيًا؛ فالطلاب يُحشرون إليها طلبًا للوظائف لا للعلم.
والمطالب بهذا التخصص أكثر من غيره هو المثقف نفسه لأن يكتشف ذاته، ويتعرف على قدراته وإمكانياته ومجالاته التي يتحرك فيها، وعليه أن يتوقف عن الانجرار وراء محترفي الإعلام ومقدمي البرامج، ومقابل ذلك عليه أن يبرز نفسه من خلال قوته العلمية واحترافه في إيصال الرسالة، وأن يظهر ما لديه بكل ثقة دون أن يلوّن حديثه بمصطلحات تموجيّه بقصد الإرضاء أو بقصد الإيحاء للغير بمرونة شخصيته وجاذبيتها.
ثالثًا: بناء الثقة بين المثقفين أنفسهم وإحياء روح التعاون والتكامل في حياتهم الثقافية، حتى يستطيعوا تقديم ثقافتهم بمصداقية نظيفة، وتلك هي أعظم البنى التحتية التي يمكن بناؤها، والتي تُسجّل في تاريخهم، وتنطلق منها أجيال لاحقة.