فهرس الكتاب

الصفحة 8193 من 27364

عاصم السيد 16/2/1425

ليس من السهل العثور على أجوبة قاطعة عن الأسباب الحقيقية لتأجيل القمة العربية التي كان مقرراً عقدها مؤخراً في تونس، فالنظام الرسمي العربي يعمل تقليديًّا على مستويين: سياسة تمارس علنًا، وأخرى تمارس في الخفاء؛ الأولى فارغة المضمون، والثانية هي السياسة الحقيقية المعتمدة.

إن القمة العربية أُجلت لغير الأسباب التي أُعلن عنها؛ فمن غير المتصور أن تلغى القمة لأن وزراء الخارجية اختلفوا حول الإصلاح والتطوير وحقوق المرأة والمجتمع المدني، كما ذكر الإعلان التونسي؛ فهذا الكلام لا ينطلي على أحد.

إن غياب المصارحة هو السبب، فقبيل ساعات من وصول القادة العرب للمشاركة في قمتهم الدورية في تونس، قررت الدولة المضيفة تأجيلها لأجل غير مسمى بسبب ما اعتبرته تباينًا شديدًا في الرؤى حول قضايا الإصلاح، هذا إقرار خطير؛ لكن الأخطر منه هو الأسباب التي لم يعلن عنها تفصيليًّا وبوضوح حتى الآن.

سؤال لا بد أن يعرف كل مواطن من أبناء الأمة العربية الإجابة عنه، فهذا حقه الذي حُرم منه لسنوات طويلة تمتد إلى زمن تأسيس جامعة الدول العربية 1945، ولم يعد ممكنًا أن يستمر هذا الحرمان لأجل غير مسمى كما هو حال تأجيل القمة العربية لأجل غير مسمى.

لقد ظل مجمل العمل العربي المشترك ومجمل أداء النظام العربي ومؤتمرات القمة وغيرها من الاجتماعات العربية أسيرة حرص شديد من الحكومات العربية على"سرية"ذلك العمل وتلك الاجتماعات والمؤتمرات، وخلف هذه السرية التي هي السمة العامة لكل ما يتعلق بالمعلومات العربية كان"التستر"هو العامل الحاسم على كل أداء النظام العربي، إلى درجة أن البعض من أعداء النظام العربي خاصة وأعداء أي عمل تجميعي عربي عامة أخذ يحمل الجامعة العربية والنظام العربي مسؤولية الفشل والعجز، من دون وعي بأن خلف هذا الفشل والعجز تقف الدول العربية متحملة وحدها المسؤولية.

مسؤولية الجامعة العربية والنظام العربي تتلخص في الحرص على سرية المداولات والاجتماعات والمواقف والتستر على الأخطاء، وعدم تسمية المسؤوليات.

مسؤولية الجامعة والنظام العربي هي غياب المصارحة والمكاشفة والعلنية، وغياب ديمقراطية العمل العربي، والإبقاء على هذا العمل"سلطويًّا"حتى النخاع والحيلوية دون المشاركة الشعبية فيه، بحيث انحصر العمل العربي في الحكومات من دون الشعوب. وإذا كانت الحكومات تجامل بعضها بعضًا والجامعة تتسر على الحكومات؛ فإن الضحية ليس فقط الجامعة ولا النظام العربي ولكن الحاضر العربي كله والمستقبل العربي كله!

هذه المرة نطالب بكشف الحقائق وتحديد المسؤوليات لأن قرار تأجيل قمة تونس ليس مجرد قرار بتأجيل قمة، ولكنه قرار بتأجيل"أمة"عن الخوض في تحديات المستقبل نظرًا لأهمية القضايا التي كانت مطروحة على تلك القمة، وهي قضايا الإصلاح الداخلي وإصلاح النظام العربي وقضايا مستقبل العراق ومستقبل القضية الفلسطينية.

وطالما أن القادة العرب يتصرفون بهذه السرية؛ فمن حقنا أن نصدق الأنباء التي ذكرت أن تونس أجّلت عقد القمة العربية حتى تتجنب مشاركة وفد فلسطيني يضم ممثلين عن حركات المقاومة الإسلامية"حماس"، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة.

ومن حقنا أيضاً أن نربط بين تأجيل القمة واغتيال رمز المقاومة الفلسطينية الشيخ (أحمد ياسين) وأن نصف تأجيل القمة بأنه"اغتيال"لهذا الزعيم للمرة الثانية.

ومن حقنا أيضاً أن نصدق ما يقال بأن موعد انعقاد اجتماع القمة سبقه قول بأن العرب"سيقدمون المخرج لإسرائيل من مأزقها باغتيال الشيخ (أحمد ياسين) . ونعلم بالطبع أن دول الجامعة العربية تتخذ إجمالاً موقفًا سلبيًّا إن لم يكن عدائيًّا تجاه المقاومة الفلسطينية."

لو انعقدت القمة العربية في موعدها المضروب لما توفر لها خيار سوى تأييد التوجه الثأري لمنظمات المقاومة الفلسطينية بأسلوب العمليات الاستشهادية، وفي هذا السياق ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن الوفد الفلسطيني إلى القمة كان يضم ممثلين لفصائل المقاومة وتحديدًا:"حماس"، و"الجهاد الإسلامي"، و"فتح"، و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

الضغوط الأمريكية نسفت القمة

يرى فريق كبير من المحللين السياسيين العرب أن ضغوط الولايات المتحدة على تونس نسفت القمة العربية بسبب عزم القمة المؤجلة على طرح مشاريع إصلاح تتعلق بالعالم العربي لا بالشرق الأوسط الكبير الذي تروج له واشنطن.

وقد أكد وزراء خارجية عرب قبل مغادرتهم تونس أن أبرز أسباب إرجاء القمة انزعاجٌ أمريكي من ورقة إصلاحية تم التوصل إليها بعنوان (الإصلاحات في الوطن العربي) فيما كانت واشنطن تريد أن تظل تحت عنوان (الإصلاحات للشرق الأوسط الأكبر) فطلبت التأجيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت