وقال هؤلاء الخبراء إن الخلافات حول النص لم تكن السبب في نسف القمة إذ ليس بين المشاركين من كان سيأخذها إلى تحرير فلسطين أو إلى مواجهة الإدارة الأمريكية طلبًا لتحرير العراق؛ بل إن تونس أرجأت القمة على الرغم من أن الوفود العربية نزلت عند رغبة المضيف التونسي وأضافت مقاطع مما اقترحه حول آخر المطالب الأمريكية المتصلة بمشروع الشرق الأوسط .
و معروف أن القادة العرب كانوا يريدون من القمة إعادة إطلاق مبادرة ولي العهد السعودي السلمية (قمة بيروت 2002) وطرح أفكارهم بشان الإصلاح السياسي كرد على الخطط الأمريكية .
الملفات الخطرة
لم يكن هناك كثير تفاؤل بما يمكن أن تصل إليه القمة المجهضة في ملفاتها الرئيسة الثلاثة: فلسطين والعراق وقضايا الإصلاح سواء إصلاح جامعة الدول العربية أو الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي داخل الأقطار العربية. كان التوقع ينصب على شيء من التشدد اللفظي المبرر فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية خاصة على ضوء جريمة اغتيال الشيخ (أحمد ياسين) . وشيء من التراجع اللفظي في الملف العراقي بالنظر إلى أن السقف الذي بلغته قمة شرم الشيخ الماضية في مارس 2003 يصعب الوصول إليه في ظل الظروف الراهنة. أما ملف إصلاح جامعة الدول العربية فكانت التوقعات المبنية على توجهات المجلس الوزاري الأخير الذي انعقد في شهر فبراير الماضي تُشير إلى تبني صيغة عامة ألِفَهَا العرب كثيراً في مؤتمرات القمة, تُفيد بالموافقة على توجهات الإصلاح ومقترحاته من حيث المبدأ مع إحالة الأمر برمته إلى مزيد من الدراسة. وأما بخصوص الإصلاح الداخلي فكان المنتظر أن تُقر القمة الحاجة إليه وتُظهر أن دولها ماضية في طريقه، رافضة إملاء الإصلاح عليها من الخارج، مؤكدة على المضي قدماً في خطط للإصلاح تنبع من داخلها وفق الظروف الخاصة بكل بلد عربي.
كان النظام العربي قبل القمة بشهور قد أظهر مؤشرات على تراجع واضح بعد احتلال العراق. فقد كان المتوقع أو على الأقل المأمول أن تُعقد قمة عربية استثنائية بعد واقعة الاحتلال التي لا تُعد بأي معيار واقعة مألوفة في النظام العربي، خاصة وأن بروتوكول دورية القمة ينص على إمكانية عقد مثل هذه القمم الاستثنائية إذا طرأت مستجدات تتعلق بالأمن القومي العربي بشرط أن تدعو إليها دولة عضو بالجامعة العربية أو أمينها العام وموافقة ثلثي الأعضاء على هذه الدعوة، لكن أحداً لم يدعُ إلى قمة استثنائية مع أن انعقاد القمم كان يحدث لأسباب أهون بكثير من واقعة كاحتلال العراق.
أسباب ساعدت على نسف القمة
إن إدراج كل مشاريع الإصلاح العربية سواء منها المتعلق بالأنظمة العربية , أو تلك الخاصة بالجامعة العربية على جدول أعمال واحد في مؤتمر قمة دورية , كان له أثر واضح فيما حدث؛ فالمفروض أن القمة تبحث المشكلات التي واجهتها الدول العربية في عام مضى وما تم بشأنها , ثم تخصص قمة استثنائية لدراسة مشاريع الإصلاح , وقد أدى ذلك إلى تفعيل الخلافات في وقت غير مناسب ثم انفجارها وتأجيل القمة .
أحد أسباب نسف القمة أيضاً هو تردد وزراء الخارجية العرب في اتخاذ الخطوة الأولى باتجاه الإصلاح في اليومين اللذين أجريت خلالهما المحادثات التحضيرية للقمة، إلى جانب عدم التوصل إلى بيان مشترك حول مبادئ التغيير السياسي وإعادة صياغة موقف الجامعة العربية من السلام مع إسرائيل؛ فالزعماء العرب انقسموا حيال مسألة الإصلاح السياسي إلى فريقين: الأول يرفض تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية العربية. والثاني يؤكد أن الدعوة إلى التغيير ليس حكراً على واشنطن، مطالبين بنشر الدعوة إلى الديمقراطية في كامل العالم العربي. إن الخلاف لم يكن حول الإصلاح فحسب، بل حول مسألة استئناف المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية، خاصة أن الفلسطينيين والأردنيين رفعوا اقتراحاً بذلك بالرغم من اغتيال إسرائيل للشيخ (أحمد ياسين) ، غير أن لبنان وسوريا، رفضتا ذلك. كما أن وزراء الخارجية العرب شعروا بالانزعاج من الطريقة التي يحاول بها أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى الدفع نحو الإصلاح داخل الجامعة معتبرين أن موسى يرغب فقط في تعزيز دوره.
الانسحاب هواية عربية
إنها لعنة الانسحابات التي فرضت نفسها على العمل العربي المشترك؛ ففي اجتماعات تونس الأخيرة مرة انسحب عمرو موسى، ومرة انسحب وزير خارجية الكويت احتجاجاً على الأمين العام، ومرة انسحب محمد بن عيسى بعد ما قال للأمين العام إنه يرفض الدروس من أي كان، وعندما عاد الشيخ محمد صباح السالم إلى القاعة قال إن الكويت تصر على أن يكون الأمين العام المساعد كويتيًّا، وأن يتولى بالتحديد شؤون المال، وتم الاتفاق على إعادة"الرقابة الداخلية"في الجامعة التي كان قد أسسها الشاذلي القليبي للنظر في قرارات الأمين العام ورفضها أو تبريرها.