ونصرف النظر مؤقتا عما لا يمكن صرف النظر عنه ، من دخول اليهود في اللعبة ، وتوجيههم"مكاسب الديمقراطية"لحسابهم الخاص ، أي لحساب الرأسمالية التي كانوا هم كهنتها ودهاقنتها منذ بدء الثورة الصناعية ، ولحساب الفساد الخلقي الذي كانوا تواقين إلى نشره في المجتمع الأوربي ، ليركبوا ظهور"الأمميين"ويسخروهم لخدمتهم (34) ، وذلك من خلال مبدئهم الخطير الذي جعلوه شعارا للثورة Fai r e, Laissez Passe r Laissez: دعه يعمل ( ما يشاء ) ، دعه يمر ( من حيث يشاء ) أي حرية الرأسمالي في أن يربح كما يشاء ، وحرية الجماهير في الإلحاد والفساد الخلقي باسم الحرية الشخصية .
بصرف النظر - مؤقتا - عن هذا كله ، فقد كان فصل الدين عن السياسة هو"الحل الأوربي"لأزمة أوربية بحتة ، نشأت ابتداء من كون أوربا لا تملك دينا سماويا ترجع إليه ، إنما تملك عقيدة - محرفة - بغير شريعة .
أما المسلمون فقد كانت مشكلتهم بعيدة كل البعد عن هذا المجرى ، وإن وجد التشابه الظاهري في استبداد الحكام بسلطانهم السياسي .. فإعطاؤهم ذات الجرعة التي استخدمتها أوربا لم يحل مشكلتهم ، بل أضاف إليهم مشاكل جديدة ! كالطبيب الجاهل يأخذ عرضا واحدا من أعراض المرض - تشترك فيه أمراض كثيرة - فيعطي - مثلا جرعة من دواء الحمى السحائية لمريض بالتيفود ، لمجرد وجود الحرارة العالية في بدنه ! فلا العلاج يشفيه من مرضه ، وقد يضعف مقاومته فتزداد حالته سوءا على سوء !
مشكلة المسلمين - كما أسلفنا - كانت تفريطهم في الحقوق السياسية التي كفلتها لهم الشريعة الربانية (35) ، التي أقامت خير نظم الأرض السياسية حين طبقت تطبيقا صحيحا ، في فترة الخلافة الراشدة .
والعلاج - الذي يجب أن يقدمه العالم الرباني المجدد المجاهد - هو رد الأمة - عن طريق التربية والتوجيه - إلى الروح التي عاش بها المسلمون الأوائل ، ومارسوا بها الدين بتمامه في عالم الواقع .
أما استيراد الديمقراطية أو غيرها من النظم من الغرب (36) ، مع تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم ، فما الذي أفضى إليه في واقع الأمة ؟
لقد أفضى إلى مجموعة من الشرور ما تزال الأمة تعاني نتائجها ، وستظل كذلك حتى تفيء إلى أمر الله ، فتصلح أخطاءها بالعلاج الرباني الذي أنزله الله هدى للناس وشفاء لما في الصدور .
فأما تنحية الشريعة فسنتكلم بعد هنيهة عن المفاسد التي نجمت عنها في مجتمع التيه .
وأما الديمقراطية فقد أفضت في التطبيق الواقعي إلى مهازل مضحكة ، وإلى مآسٍ كثيرة في حياة الناس .
حين ثار المصريون ثورتهم"الوطنية" (37) في عام 1919 كان"تشرشل"الداهية البريطاني الكبير وزيرا في حكومة المحافظين يومئذ ، فسمع أخبار الثورة فسأل: ماذا يريد المصريون ؟ فقيل له يريدون أن يكون لهم برلمان ودستور . فقال ساخرا:"Give them a toy to play with: أعطوهم لعبة يتلهون بها"!!
أما المهازل فتنشأ من تدخل السلطة بالقوة لإنجاح"مرشح الحكومة"، وتزييف الانتخابات ، واستغلال أمية الناخبين ، وشراء الأصوات بالمال ، وإلغاء الصناديق الحقيقية بالكلية والإتيان بصناديق بديلة معدة من قبل بالنسبة المطلوبة ( 99.9% ) ! واعتقال المعارضين لمنعهم من دخول الانتخابات ، وتقسيم الدوائر تقسيما تحكميا يخدم مصالح بعض المرشحين على حساب الآخرين ..
أما المآسي فليس أقلها تفريق الأسر وإيجاد العداوات ضد بعضها البعض ، بل إيجاد العداوات داخل الأسرة الواحدة أحيانا ، نتيجة الانتماء إلى الأحزاب المتفرقة ، ونشر الكذب السياسي ، وخداع"الجماهير"بالوعود المعسولة ، ونشر"المحسوبية"، وملء كل حزب يصل إلى الحكم وظائف الدولة بأتباعه ومنافقيه من غير ذوي الكفايات مهما ترتب على ذلك من ضياع مصالح تلك"الجماهير".. فضلا عن كون الدولة الصليبية المسيطرة في المنطقة هي التي تحكم في الحقيقة من خلال تلك الأحزاب ، والجماهير لاهية عن ذلك ، غير ملتفتة إليه وهي منهمكة في صراعاتها الحزبية التافهة .. فتتضاعف الجريمة بسبب ستر العدو الحقيقي ، وصرف همة الناس عن مجاهدته ، وتوجه الجهد كله إلى صراع الأحزاب بعضها ضد بعض!
وقد كان هذا كله ذريعة لما هو أسوأ منه بكثير .. وهو الانقلابات العسكرية التي قامت بحجة إصلاح الفساد الذي أحدثته الأحزاب في حياة الناس !!
فقد كانت الشعوب العربية بالذات قد ثارت على مظالم الحكم التركي ، وطلبت الاستقلال عن الدولة العثمانية فرار من الظلم (38) ، وضحك عليها اليهود والنصارى معاً - عن طريق لورنس ، رجل المخابرات البريطاني الذي قاد"الثورة العربية الكبرى"في حقيقة الأمر - فأفهموها أنها ستحصل على الاستقلال ، وعلى العدل السياسي ، وعلى العصرانية والتمدن والتقدم ، وأنها ستولد ولادة جديدة بعد الثورة ، وتحقق من أحلامها ما لم يتحقق لها في التاريخ !