وعملت"الثورة العربية الكبرى"عملها ، ففتتت وحدة العالم الإسلامي ، وأسهمت إسهاما ظاهرا في هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى (39) ، ودمرت الخط الحديدي الذي كان السلطان عبد الحميد قد أنشأه ما بين اسطنبول والمدينة المنورة ، ثم .. تقاسمت بريطانيا وفرنسا بلاد العالم العربي ، وقسّمتاه إلى دويلات ضعيفة هزيلة فقيرة ، خاضعة كلها للاحتلال الصليبي ، ووُضِعت فلسطين - هدف اللعبة كلها - تحت الانتداب البريطاني ، تمهيدا لتسليمها لليهود فيما بعد ، وإنشاء إسرائيل .
وكان هذا هو الثّمَن الذي حصلت عليه الدول العربية حين ثارت - أو أثيرت - ضد مظالم الحكم العثماني: فقدت استقلالها ، وفقدت كرامتها ، وفقدت الأرض المقدسة التي بارك الله فيها وجعلها مسرى رسوله صلى الله عيه وسلم ، وفيها ثالث الحرمين الشريفين ، واستعبدت للغرب الصليبي ، وعاث اليهود في أرجائها
ولم تكن المظالم العثمانية شيئا مقبولا ، ولا كان السكوت عليها جائزا في شرع الله .. ولكن الحل الذي قدم للأمة كان أسوأ بكثير في مجموعه من الحال التي اشتكى منها المسلمون من قبل ، حتى لقد انطبق عليه قول الشاعر:
رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه !
ومع ذلك فلم تكن تلك قمة المأساة ..
كانت القمة - كما أشرنا - هي الانقلابات العسكرية التي جاءت لتصلح الفساد الذي أحدثته الخطوة السابقة ، وتحرر الأمة من النفوذ الأجنبي الذي احتل العالم العربي بعد انسلاخه من الدولة الأم !!
لم تذق الأمة الإسلامية في تاريخها كله ظلما أشد من ذلك الظلم الذي أوقعته بها الانقلابات العسكرية .. فقد كان الاستبداد السياسي في العهود السابقة محدود النطاق .. يتعرض له أفراد بأعيانهم أو جماعة بعينها يقع عليها غضب السلطان ، ولكن الإنسان العادي لا يناله من ذلك الظلم إلا طمع الولاة في ماله ، أو ما يفرضونه عليه من الضرائب الباهظة مع فقره.. ولكنه يذهب إلى عمله وهو آمن ، يسمرون ، أو يتبادلون الحديث عن أوجاعهم ومتاعبهم ، أو يشتمون الوالي - في غيبته - وربما تعدوا الوالي فيشتمون السلطان ذاته .. وهم آمنون !
أما الحكم العسكري فقد كان شيئا يفوق في بشاعته كل حد ..
لا أمن ..
فجواسيس الحاكم يعدّون على الناس أنفاسهم . والويل لمن تكلم بكلمة ينتقد فيها عملا واحدا من أعمال الفرعون الجبار .. السجن والتعذيب والتشريد .. وقد يلقى حتفه في معتقله في ليل أو نهار في أثناء التعذيب ، فلا يجرؤ أهله - لا نقول أن يشتكوا - بل حتى أن يسألوا عنه: أحيّ هو أم ميت .. ومن سأل فجزاؤه على سؤاله أن يؤخذ إلى حيث يعود أو لا يعود !
وألوان من التعذيب تعفّ عنها الوحوش ..
فالوحش يفترس ليأكل ، فإذا شبع انصرف وكف عن الافتراس . ولكنه لايفترس من أجل تعذيب فريسته ، والتلذذ برؤية العذاب ينصب عليها ، كما يصنع الإنسان حين يفقد آدميته ، وينتكس أسفل سافلين .
وقد مارس العسكر هذه الوحشية كلها وهم"يحررون"الشعب من الخوف ! ويحررونه من الذل ! ويحررونه من الاستعباد ! وكان أحد هؤلاء الطغاة ينادي وهو يمارس أبشع ألوان الإذلال لشعبه: ارفع رأسك يا أخي ! فقد مضى عهد الاستبداد !!
ذَلَّ الناس .. وانكسرت أنفسهم .. وشملهم الرعب القاتل من"زائر الليل"الذي ينتزع الناس في جوف الليل من ديارهم وأزواجهم وأطفالهم ، ليلقيهم في ظلمات لا يعلم أحد مداها ، بل أخذت النساء كذلك لأول مرة في تاريخ الأمة ليعذبن داخل السجون .
ومع الفزع عم الفقر الشعب كله ، إلا المحظوظين الذين اكتنزت جيوبهم بالمال الحرام المسلوب من الأمة تحت سطوة القهر .. وطُحِنتْ مع كرامة الأمة أخلاقياتها ومثلها وقيمها ، وأصبح الهم الأكبر للناس البحث عن لقمة الخبز ، لهثاً وراءها حتى يجدوها - إن وجدوها - منقوعة في الذل والخوف والهوان .
ولحساب من يحدث هذا كله ؟!
لحساب من يسحق الشعب ، وتلقى كرامته في الأرض وتداس بأقدام الطغاة ؟!
لحساب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية ، حتى تأمن إسرائيل وتستقر وتتوسع ، والشعوب الإسلامية حولها مسحوقة لا تملك الاعتراض ، فضلا عن الرفض .. فضلا عن الجهاد المقدس ضد الغاصبين .
وهذا الذي ظفرت به الشعوب التي ثارت على مظالم العثمانيين !!
مرة أخرى نقول: لم تكن مظالم العثمانيين مقبولة ، ولا كان السكوت عليها مقبولا في شرع الله . ولكن العلاج الذي تناولته الأمة - في التيه - كان أفظع بكثير ، وأمرّ بكثير .. كان هو الذل والهوان والضياع .
و من عجب أنه كان في التيه - دائما - طبالون وزمارون ، يطبلون ويزمرون لكل مرحلة من مراحل التيه . فإذا جاء غيرها لعنوا الأولى التي كانوا يطبلون لها ويزمرون ، وبدءوا طبلهم وزمرهم للمرحلة الجديدة بنفس الحماسة ونفس"الولاء"!