أودّ أن ألمس بعض النواحي لهذه القضية التي تتكرر في أذهان كثير من الناس عندما يجرى الحديث حول الاستشراق في التأريخ وفي الحاضر.
نشأت الدراسات الأولى حول الإسلام واللغة العربية في القرن 12 م إذ تم ترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية عام 1143 م على يد الراهب Pet r us Vene r albilis. أما الراهب الآخر الذي طلب بإلقاء محاضرات في الجامعات حول اللغة العربية والإسلام فهو نشأ على جزيرة مالورقة: صلى الله عليه وسلم aymundus Lullus: طالب بشدة الحوار مع العرب وسافر لهذه الأغراض إلى شمال أفريقية لكي يقنع العرب من طريق الحوار بعدم صلاحية دينهم! نعم، تم تأسيس المعاهد للدراسات العربية والإسلامية في الجامعات المعروفة في القرون الوسطى وتحت سيطرة الكنيسة لهذه الأغراض: لاقناع الطرف المسلم بعدم صلاحية إيمانه ولتنصيره.
لم تخرج هذه الحركة الدينية في رحاب تلك المعاهد من إطار المناظرات والمجادلات الدينية والعقائدية ضد الإسلام بل بذلت أيضا جهدها لاقناع الأوروبيين بعداوة الإسلام على النصرانية (قل: الكنيسة الكاثولوكية وقتذاك) .
أما الاستشراق الحديث، اعتبارا من القرن 18 م تقريبا والاستشراق المعاصر من منتصف القرن 19 م فلا علاقة لهما بما سبق ذكره لا تأريخيا ولا (روحيا ـ كما يقال) . لم ينشأ الاستشراق ولم تؤسس المعاهد للدراسات الإسلامية وللغة العربية من أجل تنصير، بل أسست تلك المعاهد، التي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، كما أسست غيرها لدراسة الحضارات واللغات للشعوب الشرقية...حتى إلى اليابان.
إذا، فهذا الاستشراق الحديث يبحث في تلك الحضارات والأديان كما تبحث المعاهد الأخرى في تأريخ أوروبا واللغات الأوروبية الأخرى وآدابها، بل كما تدرس العقائد النصرانية دراسة نقدية بعيدا عن القيود الدينية التي تفرضها الكنيسة على جامعاتها هي. تغيرت ظروف الأبحاث بعد الفصل بين الدين والدولة في جميع مجالات التعليم.
يفتخر الاستشراق الألماني، وبالحق كما أرى، بمستشرقين كبار من منتصف القرن 19 م تقريبا،
فلا يجد المرء بينهم مبشّرا واحدا أو خادما واحدا للدولة وضع أبحاثه وعلمه تحت تصرف الدولة لأغراض سياسية بحتة.