فهرس الكتاب

الصفحة 3974 من 27364

1 -عولمة الاقتصاد:

يرى جمع من الباحثين أن عولمة الاقتصاد العالمي بدأت بقيادة أمريكا منذ عام 1944م، والتي انبثق منها الصندوق الدولي ليقوم حارساً على النظام النقدي الدولي والبنك الدولي ليعمل على تخطيط التدفقات المالية، طويلة المدى، وإنشاء منظمة التجارة العالمية التي أدت إلى اتفاقية الجات والتي حوّلت السياسة التجارية للدول المستقلة إلى شأن دولي وليس عملاً من أعمال السيادة الوطنية، من خلال النظام النقدي العالمي والتحكم في حركة رؤوس الأموال، ومن خلال الشركات المتعددة الجنسيات التي لأمريكا فيها نصيب الأسد.

ولقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية بإجبار كثير من الدول الإسلامية، باعتبارها إحدى مكونات مجموعة دول الجنوب، على إعادة هيكلة اقتصادياتها، وفقاً لهذه السياسة الإمبريالية، فاتجهت هذه الدول إلى الخارج لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتبني مفهوم القطاع الخاص، من خلال استخدام آليات السوق الحرة، وما يتطلبه ذلك من التقليص الواضح للملكية العامة وزيادة الفوارق الاجتماعية، ورهن أجيال المستقبل بالديون الخارجية (1) .

ولقد تقررت هذه السياسة الاقتصادية الأخيرة نهائياً عندما اجتمع طائفة من المُنظرين الأمريكيين وقدموا قضايا لتثبيت السيطرة الأمريكية على العالم، هذه القضايا هي:

1)استعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية.

2)السوق مجال للمنافسة، أي فتح المجال لسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة، لغرض فرض نمط اقتصادي معين على البلدان الأخرى، دون أي اعتبار لمصالح الكادحين.

وتلك الشركات العملاقة تكونت بالدرجة الأولى من الشركات الأمريكية، ثم الأوربية ثم اليابانية متكاتفة متعاونة (2) .

ويمكن هنا أن نعرض إحصائية أولية لقوة تلك الشركات المتعددة الجنسيات. فهناك 350 شركة كبرى لتلك الدول تستأثر بما نسبته 40% من التجارة الدولية. وقد بلغت الحصة المئوية لأكبر عشر شركات في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية 86% من السوق العالمي، وبلغت هذه النسبة 85% من قطاع المبيدات وما يقرب من 70% من قطاع الحاسبات و60% في قطاع الأدوية البيطرية و35% من قطاع الأدوية الصيدلانية و34% في قطاع البذور التجارية (3) .

ولا شك أن هذه الاحتكارات ستؤدي إلى إقامة الحواجز بين الشعوب، وسيصبح وسيلة للسيطرة والهيمنة على مصادرها.

وهذه الشركات العملاقة هي في حدود (15) شركة، هم السادة الفعليون الذين يطبقون نظرية: إنتاج أكثر ما يمكن من السلع والمصنوعات بأقل ما يمكن من العمال، من أجل تركيز الثروة العالمية في أيدي الرأسماليين الجشعين من أصحاب تلك الشركات الأمريكية وحلفائها (4) .

ونتيجة لهذه السياسة، تنتهي العولمة الاقتصادية إلى فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الغربية بدون عائق أو ضوابط، وعليه فلن تستطيع المنتجات المحلية مواجهة المنتجات المستوردة ومنافستها، مما يعني تعثر العديد من الأنشطة الاقتصادية الوطنية. ويكون البديل المتاح هو إما الاقتصار على الاستيراد، وهذا البديل قصير الأمد؛ حيث ستنضب أرصدة السيولة المالية، ويزيد التضخم نتيجة للركود الاقتصادي، وبيع الأصول الاقتصادية إلى الشركات العالمية بحجة الإصلاح الاقتصادي. وهو المطلوب؛ لأنه سيؤدي إلى الاستسلام النهائي لسياسات الإمبريالية الأمريكية (5) .

إن هذه الشركات تعد الأرض كلها سوقًا كبيرًا لها، بما فيها ومن فيها بحيث تتنافس في اقتسام هذه الأراضي دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق (6) .

وهي نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة طويلة الأمد، وإنما تدخل بما يعرف بالأموال الطائرة، في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد والتي تحقق لها عوائد هائلة، دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة، فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يعرقل الاقتصاد المحلي، زيادة على ذلك، فإن معظم أنشطتها تقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد.

وخلاصة الأمر أن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي (7) .

ومن هنا فإن نسبة كبيرة من الفساد المنتشر في دول العالم الثالث هي من صنع الشركات المتعددة الجنسيات التي تتركز مقارها في الدول الصناعية، وتعمل على تقديم الرشاوى الكبيرة لمسؤولي الدول المختلفة من أجل الفوز بالصفات دائماً (8) .

وبهذا يتحول العالم كله إلى سوق استهلاكية لمنتجات الدول الصناعية وعلى رأسها أمريكا، فهي تمثل عصا استعمارية بيد حكومة عالمية خفية لها مؤسساتها: كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية التجارة الحرة (9) .

وعلى ذلك، فإن النتيجة المباشرة لفخ العولمة هي اللامساواة، وهذا يعني أن البؤس والشقاء وغياب الديمقراطية وضياع كل حلم بالرفاه ستكون بمثابة علامة فارقة لنظام العولمة في البلاد التي وقعت في فخها (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت