د.سفر بن عبدالرحمن الحوالي 2/6/1424
إن مما يجب الاعتراف به وجود قدر من العفوية والارتجال في برامج الحركات الإسلامية، وهي مظاهر تدل على أن الصحوة مع انتشارها وقوة زخمها لم يصلب عودها بعد، وليست قادرة على مواجهة الحضارة الجاهلية المعاصرة التي تسعى لاجتياح العالم تحت ستار (العولمة) .
هناك أزمة في التخطيط، وأزمة في فهم الآخر ومطابقة العلاقة معه لمقتضى الشرع، وأزمة في معرفة سنن الله في التغيير والهزيمة والنصر. لا ينقص الصحوة الإخلاص وحب التضحية؛ لكن هذين لا يكفيان، ولا ينقصها - كثيراً- العلم الشرعي؛ لكن وجوده شيء وفهمه والعمل الصحيح به أمر وراء ذلك. كثير من شباب الصحوة ومعهم بعض موجهيها أيضاً يميلون إلى التصنيف المبسط للأشخاص والقضايا، والحرفية الظاهرية في فهم النصوص، والسذاجة في التعامل مع تعقيدات العصر، لكن هذا لا يعني التشاؤم؛ فالمبشرات أكثر من المعوقات بفضل الله، ومظاهر التحسن والنضج بادية سواء في الأحداث أو الوسائل، ومن أهم السبل للارتقاء بالواقع الدعوي والأخذ بأسباب النصر والقوة؛ دراسة سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي بها، والاعتبار بأحداثها ومواقفها، وأضرب لكم مثالاً واحداً مما يناسب حالنا هذه الأيام؛ وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يغزو قبيلة ورّى بغيرها (أي أظهر أنه يريد غزو غيرها لكي يباغتها) ، واليوم تأتي مواقف تحتاج الأمة فيها إلى التورية ضمن السياسة الشرعية، ولكن ذلك لا يحدث خوفاً من الاتهام؛ لأن الاتهام عند آخرين جاهز لأدنى احتمال دون تقدير للاعتبارات العلمية، والمصالح الشرعية، وبُعد النظر في العواقب، سواء في ميدان الجهاد أو الدعوة والإصلاح.
منهجية الصراع
من أهم أوجه الخلل في التفكير المنهجي افتعال الصراع أو توهمه حيث لا سبب له.
فهو يفتعل بين العلم والدعوة لمن ترك أحدهما، وبين الجهاد والإصلاح ممن لم يستطع التوفيق بينهما، وهكذا كما ذكر الله عن النصارى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 14] ، وسبب ذلك عدم إدراك سنة الله في التنوع وتيسير كل أحد لما خُلق له، وفقد الرؤية الكلية والانحصار في رؤية ضيقة على جانب واحد من الحق؛ وإلا فما المانع من أن يجتمع الحوار العلمي والإعداد الجهادي العام؟
إنهما ليسا متناقضين؛ بل كل منهما وجه للقوة، فلولا قوة الصين لما اضطرت أمريكا إلى حوارها، ولولا القنبلة النووية لما سمعت الهند من باكستان، وفي الوقت نفسه سقطت قوة الاتحاد السوفيتي عسكرياً لما أخفق عقدياً.
كلنا نؤمن بأن الإيمان شُعب، واستكمال التربية على كل الشعب متعسر أو متعذر؛ فالحل الصحيح إذاً هو مراعاة حال الأمة؛ ففي مثل واقعنا الحالي أرى أن أهم شعبتين بعد التوحيد هما: الجهاد، والزهد. ونتدرج في استكمال ذلك بواقعية؛ فالمجاهد في فلسطين وإريتريا والشيشان وكشمير والفلبين هو في حالة ضعف بالنسبة لعدوه المباشر؛ مع أنه في الوقت نفسه يواجه القوى العالمية التي تنصر هذا العدو عليه، ويعاني من قلة الناصر من المسلمين بعذر أو بغير عذر.
وأهم من ذلك أن قوتنا العظمى هي في ديننا وعقيدتنا، وبها نغلب العدو ونفتح القلوب والبلاد؛ فاهتمامنا بالعلم والدعوة، وقدرتنا على البلاغ والحوار لشرح محاسن الإسلام أكبرُ أسباب النصر على العدو في ميدان المعركة، وأعظم ممهد لإعلاء كلمة الله في الأرض دون أن يعني ذلك الاكتفاء بالحوار عن الجهاد، أو الاستغناء بالمقاومة عن المجادلة والدعوة. إن مقتل جنرال من العدو نصر نفرح به؛ لكن ينبغي أن يكون فرحنا بإسلام عالم أو قسيس أعظم منه.
منهجنا في الحوار
في كل حالٍ يجب أن نكون أقوياء؛ فالغرب وغيره لا يستمع إلا للقوي، ومن القوة قوة الحجة والبرهان والحكمة في التعامل مع الاستمرار في المصابرة، لا نمنع الحوار لكن ننبه إلى ضوابطه ومحاذيره، ونحرض على الجهاد لكن ننبه إلى شروطه وعواقبه، ويعمل الطرفان كاليدين للإنسان.
أما بالنسبة للغرب؛ فهو ليس شيئاً واحداً، وأمريكا نفسها منقسمة، ومن الخطأ التعامل معها على أنها كلها يمين متطرف أو كلها مفكرون عقلانيون، فأمريكا فيها أسوأ ما أنتج الغرب من دعاة الدمار والهمجية، وفيها أحرص الناس -بعد المسلمين- على العدل.
ومن الحكمة أن يواجه كل منهما بما يناسبه، ومن هنا يجب أن نستكمل القوة في كل ميادينها والإعداد للمواجهة الحاسمة دون استعجال للأحداث واستثارة للعدو ونحن لا طاقة لنا به، وقد أثبتت الحرب الأخيرة في أفغانستان أن ضعفنا الإعلامي شديد؛ بل هو أشد من الضعف العسكري.
نبدأ بالتعريف ثم العمل!