فهرس الكتاب

الصفحة 10009 من 27364

مجلة البيان - (ج 111 / ص 46)

حوار

حوار مع د. حسن الأمراني

حول مرجعيات الاستشراق المعاصر

أجرى الحوار: محمد بن عمر

توطئة:

تعد ظاهرة الاستشراق من أبرز الظواهر الثقافية التي تبقى مفتوحة للسؤال والقراءة؛ لأن أغلب الأسئلة التي تؤسس هذه الظاهرة الثقافية هي من نوع الأسئلة التي يغلب عليها طابع الإثارة والإغراء بالمتابعة.

لكن أكثر أسئلة الاستشراق إثارة واستفزازاً هي تلك الأسئلة التي اختارت التعايش مع لحظة السقوط الحضاري وتجربة الانهيار الغريب التي عاشتها الأمة الإسلامية.

لقد كانت نية الاستشراق من هذا التوجه: العمل على تكريس هذه التجربة واستمراريتها في نسيج الثقافة الإسلامية المعاصرة.

فالاستشراق توجّه خاصة إلى ثقافة السقوط، وبالمقابل أغفل ثقافة البناء، كل ذلك تحت غطاء البحث العلمي والفضول الفكري والمعرفي.

إنه انطباع أولي استخلصناه من نص الحوار الذي أجريناه مع الدكتور (حسن الأمراني) (1) الذي أنجز عملاً جامعيّاً اختار له عنوان: (المتنبي في كتابات المستشرقين الفرنسيين) (2) ، وقد أثار في هذه الدراسة كثيراً من القضايا التي تمس الاستشراق بشكل مباشر، ومن أهم هذه القضايا: الاستشراق: الموضوع، المنهج، المرجع،...

ومن أهم المحاور والقضايا التي تستوقف الباحث والقارئ لهذا البحث: قضية اشتغال الاستشراق الفرنسي بشعر وأدب المتنبي، من حيث هو لحظة تاريخية وحضارية تعبر عن السقوط والانهيار، وتنشد البناء، وتبحث عن السبل الكفيلة بالخروج من هذا السقوط والانهيار الحضاري.

وهذا الاعتناء بهذه اللحظة بالذات، أدى بالاستشراق إلى إغفال الجوانب الأخرى المُشَكِّلة لأدب المتنبي، خاصة الفني... وهذا الإغفال له ما يبرره إذا أدركنا النوايا والخلفيات التي كانت توجه قراءة المستشرقين للتراث العربي الإسلامي.. وهذا نص الحوار:

أ- من الأفكار التي راجت كثيراً في فضائنا الثقافي مؤخراً: فكرة نهاية الاستشراق؛ لأن المعطيات الثقافية والحضارية التي كانت من وراء نشأة هذه الظاهرة لم تعد مستمرة في هذا الفضاء، وهذا ما حَوّل الاستشراق من ظاهرة ثقافية إلى ظاهرة تاريخية.. ما هو تعليقكم على هذا الفهم؟.

-قد ينتهي الاستشراق مصطلحاً، ولكنه لا ينتهي فكرة، ولعله اليوم أشد ما يكون ارتباطاً بالمؤسسات الغربية وخدمة لمصالحها، فمنذ نشأة الاستشراق كان همه المعرفة المرتبطة بالغلبة والهيمنة، ولئن كان في فترة من الفترات مرتبطاً أشد الارتباط بالكنيسة، ولا سيما منذ قرار مجمع (فيينا الكنسي، 1311م ـ 1312م) ، فإنه ما فتئ يغير جلده دون أن يغير أهدافه ومقاصده.

إن المستشرقين كانوا أول من دعا إلى تدمير آليات الاستشراق التقليدي؛ لشعورهم بأنه استنفذ أغراضه، ولا بد له ـ إن أراد أن يستمر في الحياة ـ من أن يغير أدواته، وتلك كانت الأغراض من وراء صيحة (ماكسيم رودنسون) ، إن عزوف المستشرقين منذ فترة عن هذا المصطلح، ورفضهم أن ينعتوا به، واكتشافهم بدائل أخرى كـ (الاستعراب) .. لم يكن الهدف من ورائه الدقة العلمية ـ كما يريدون أن يوهمونا بذلك ـ بقدر ما كان تخلصاً ممّا يحمله المصطلح القديم من ظلال استعمارية وتحكمية.

وإن وجود فئة من المستشرقين المعتدلين أو الموضوعيين أو حتى المتعاطفين مع القضايا الإسلامية لا ينفي القاعدة بقدر ما يؤكدها، لأن أولئك يمثلون استثناء، والشاذ لا حكم له كما يقال.

وهل يشك عاقل في أن الذين يخدمون (الإمبريالية الغربية) تحت اسم (الخبراء) هم مستشرقون من نوع جديد؟، إن ما قدّمه (برنار لويس) وأضرابه مثلاً لا يقارن بما قدمه أسلافهم.

ب -الدكتور حسن الأمراني: لقد أنجزتم أطروحة جامعية حول الاستشراق الفرنسي وكلفكم هذا الإنجاز زيارة كثير من مكتبات فرنسا، نود أن تقدموا للقارئ أهم المستويات المعرفية التي تؤسس الاستشراق الفرنسي وتميزه عن غيره من أنواع الاستشراق .

-يجب ألا ننسى أن فرنسا وبريطانيا تمثلان حالة متفردة في علاقتهما بالعالم الإسلامي، فهما (الإمبراطوريتان) الاستعماريتان اللتان بسطتا سلطانهما على معظم العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر الميلادي والنصف الأول من هذا القرن، كما أن ماضيهما مرتبط أكثر من غيرهما من دول الغرب بالحروب الصليبية، ولذلك: كانت العلاقة بين هاتين الدولتين والعالم الإسلامي علاقة احتكاك حربي وتدافع ومغالبة أكثر مما كانت علاقة تواصل حضاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت