فهرس الكتاب
وإذا كان المقصود الهداية ـ هداية مجتمعاتهم ـ فهل بإمكاننا غزو المكتبة الغربية بكتب جديدة مترجمة أو مؤلفة يقرؤها هؤلاء المستشرقون ويقرؤها المجتمع الغربي عموماً؟، وسوف تعين هذه الكتب بالدرجة الأولى هذه الجماهير المسلمة التي تعيش وتفكر من خلال مكتبة غربية حاقدة ومضادة، ونحن نملك بعض! المعرفة الجيدة في الإسلام، فلم لا نحولها إلى عمل جاد في اللغات الأخرى، يحيي صورة الإسلام الحقيقي، وينشر الوعي به، ويقلل من تيار الهجوم العنيف ضده وضد أهله؟ ونتخلص من عقدة ماذا قالوا عنا قبل قرن أو قرنين؟! ولنجعلهم يسمعوا لنا الآن، ثم: ألا نقوم بدراسة جادة للفكر الغربي مباشرة بلا وسائط ونجعله مادة دراسة؟، لم لا نفكر في قلب الموضوع وتغيير الاتجاه؟، لماذا نحن خائفون فزعون من دراسة ما عندهم وبخاصة النخبة منا؟، لم لا نتحدث عما لديهم عن خرافات وأكاذيب.. وإيجابيات قد تكون مفيدة؟ وبخاصة أن الإغراق في الاستشراق لا يقدم فائدة، فهؤلاء المستشرقون ـ غالباً ـ نكرات في بلادهم وفي ثقافتهم، ميزتهم كتابة تقارير عنا.. وماذا تصنع تجاه كاتب التقارير؟!، هل تصرف جهدك لكتابة تقرير عنه، أم تنصرف لعملك وهمك؟ وإذا فهمت ماذا كتب عنك، فهذا كل الذي تريد حتى تعرف ما هو موقع قدمك في عمل دائم جاد ومؤثر ومهم. فمعرفة الاستشراق أداة وليست غاية.
إن علماء الإسلام ـ عبر القرون ـ درسوا التوراة والإنجيل وعقائد الفرق الأخرى، وحاجّوا علماءهم، بل أسلم بعضهم بعد نقاشات ودراسات ومجادلات أدت بأن يؤلف بعضهم ـ الذين أسلموا ـ كتباً في نقد ديانة قومهم، لماذا ألجأنا الخوف والضعف الفكري إلى الانكماش وضرب أسوار الحديد حتى على القادرين!!
دراسة الاستشراق بالطريقة الموجودة طريقة عقيمة لا فائدة منها، فنحن في حاجة إلى متابعة جادة للجديد ومواجهته بموقف من جنسه، وهذه الدراسة غير مسموح بها في أكثر مناطق العالم الإسلامي، فأين الدولة التي تسمح لجامعاتها بدراسة السياسة والمجتمع الغربي، ثم بناء سياسة ذلك البلد الإسلامي مع الآخر بناءً على معرفة علمية وسياسية صادرة عن جامعة عربية أو مركز للدراسات المستقبلية؟!، وما دام هذا الأسلوب العلمي غير مسموح به في بلاد العالم الإسلامي فقد يكون الحل هو دراسة فكر الغرب ودياناته ونقدها بلغتنا، وهذا هو الرد العملي الموازي للاستشراق؛ إن كتاب الدكتور حسن حنفي عن الاستغراب والذي هدف إلى نقل المواجهة إلى ساحتهم قد يكون مثالاً لجانب من جوانب المعرفة بالفلسفة الغربية، ولكنه لم يَخْلُ من شطحات فلسفية وتلمذة لمدارسهم، وليس عندنا إلى الآن أعمال نقدية للفكر الغربي مشابهة لما يخرج عندهم ينقد أفكارهم، أما ضياع الجهد في اتهام المستشرقين وتلاميذهم وإثبات انحرافهم وخداعهم فحسب فلا فائدة منه، إن علينا أن نتخلص من عقدة الخوف من فكرهم ومن ثقافتهم، وأن نواجه ثقافتهم بتنمية ثقافة جادة لنا، وناقدة لخصومنا، وننقل ميدان النقاش إلى هناك، ونتخلى عن عقدة النقص حين نضع دائماً ديننا وأمتنا مادة للنقاش والاتهامات، ولا يعني هذا أن نكتب هجاءً سطحياً لهم كما فعل كثير من المستشرقين تجاهنا، بل ليكن عملنا علمياً، مفيداً لنا ولهم، ومنقذاً لهم من الضلال..، وكل هذا لا يعني عدم معرفة الاستشراق، بل نريد المعرفة التي تسوق وتدفع إلى مواجهة ثقافة بثقافة وعلم بعلم.