فهرس الكتاب

الصفحة 7653 من 27364

جاء الخطاب الأمريكي تجاه الشرق الأوسط الكبير تجلياً لعلاقات القوة القائمة فيما بعد الحرب الباردة، فالقوة لا تعبر عن نفسها إلا من خلال علاقاتها بالقوى الأخرى، وليس ثمة خطاب يمكن تأسيسه إلا من خلال موقعه على رقعة التشابك بين القوى، ليس في وسع الولايات المتحدة (مثلاً) الإعلان عن مشروع للإصلاح في الصين، لأن خطابها حيال هذا البلد يبقى متموضعاً في أرضية توازن القوة ومستنداً إلى معادلات الممكن والممتنع، وفي السنوات العشرة الأخيرة انحرف الخطاب الأمريكي الموجه للصين عن مساره التصاعدي المعهود منحدراً في طريق تنازلي على وتيرة تعكس نمو وتصاعد القوة الصينية في التقنية والاقتصاد.

كان على الخطاب الأمريكي تجاه الصين أن يتخلى عن نبرته لأن الشروط الموضوعية المنتجة له على صعيد الواقع المتحقق أصابها التغيير وإلا أصبح خطاباً ديماغوجياً لا قيمة له، وفي الجانب الآخر فإن الشروط التي تمنح الخطاب الأمريكي تجاه الشرق الأوسط آمريته وعنفوانه هي حقائق ماثلة وتجربة يومية حية لا تنتهي في العراق أو أفغانستان أو فلسطين ولكنها تبدأ في ما يؤسس للموقف العربي الإسلامي ويحدد موقعه الحضاري المزاح عن دائرة الفعل والتأثير، فلقد كان لابد لخروج هذا العالم من التاريخ والزمن أن يأخذ طابعاً تراكمياً على مستوى العجز الذي جعل المنطقة برمتها تتحول إلى مريض العالم، فاقد الوعي، المستكين إلى مشارط (الحكماء) من الغرب والشرق، حيث توحي الوتيرة المتصاعدة لانهمار مشاريع الإصلاح على الشرق الأوسط بأن التشخيص المرضي لهذه المنطقة قد اكتسب إجماعاً على مستوى العالم بأكمله، حيث إن (الإصابة) الشرق أوسطية لا تنتمي إلى حالات الكمون الذي يمكن عزله ومحاصرته، فهي تتسرب عبر الشقوق والفجوات على جدران التحصينات التي تقام في وجهها لحماية (الحضارة) ، تنفجر هنا وهناك وتثير الفزع في عالم (آمن) ، من هنا اكتسبت (المشاريع الإصلاحية) الهاطلة من أمريكا إلى اللكسمبورج مشروعيتها، حيث يجري تحضير غرفة العمليات لفحص رجل العالم المريض وتشريح جسده على أيدي الثمانية الكبار في وقت قريب، ويبدو رجل العالم المريض مريضاً بحق، عاجزاً وكسيحاً، وجماع ما تسعفه به قواه المتهالكة أن يتمتم بالرفض وهو يدير وجهه إلى الحائط، وليس ثمة ما يعكس هذا الواقع مثل (وثيقة العهد) التي بلورتها الجامعة العربية تحت وطأة الوابل المتزايد لمشاريع التدخل الأجنبي المقنعة والمتسترة تحت ألقاب الإصلاح الذي تبلغ مواسمه ذراها وترتفع راياته فوق مهرجانات الأدبيات السياسية ليزود الخطابية العربية بأبجديتها المزوقة المغرقة في الإيهام (كما نشرتها جريدة الحياة 2004/3/11) ، حيث تتداخل المعاني والحدود لتعيدنا إلى نقطة الصفر من تاريخ طويل لنضال الأقوال وحروب المنابر وذكرى الانتصارات الدونكشوتية، فالعقلانية المستنيرة التي كنا نعتقد إنها تسللت إلى الردهات المغلقة التي ينتج بين جدرانها القرار العربي والمسلم لم تكن سوى عبارات رتيبة عائمة على محيط لامتناه من احتمالات المعنى والتفسير، فضفاضة صممت بعناية لتحوي كل شيء ولا شيء، فجاءت اللغة التي كان ينتظر لها أن تمنح أمتنا جدارتها لمواجهة المعضل الأكثر خطورة وحسماً لتجسد بكل جلاء موقفاً متهالكاً، لا ينطق إلا بالواقع المتحقق على ساحة توازن القوى ومعادلات السيطرة في العالم المعاصر، عندما نقرأ أن الموقعين المنتظرين على هذه الوثيقة (استذكاراً للإنجاز التاريخي المتمثل في ميثاق جامعة الدول العربية) يؤكدون (تضامننا في تعزيز العلاقات والروابط بين الدول العربية وصولاً إلى التكامل من خلال تطوير التعاون العربي المشترك وتقوية قدراتنا الجماعية لضمان سيادة الأراضي العربية وأمنها وسلامتها وصونها) تصوروا!!! و (وعقدنا العزم على مواصلة خطوات الإصلاح) و (تهيئة الظروف الضرورية لإرساء التكامل الاقتصادي فيما بيننا على نحو يمكننا من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت