علاء الدين الجنكو
ليس هناك عاقل يسمح لنفسه أن يتهم وزارة الصحة أو الداخلية أنها متخلفة ومتحجرة لمعاقبتها لمن يستورد بضاعة بغير المواصفات المطلوبة، كأن يكون تاريخ صلاحيتها منتهية، فما بالك إذا كانت فاسدة؟
نعم هذا إجراء سليم للحفاظ على صحة المواطنين وسلامتهم الجسمية وهذا أمر ضروري جداً، وكذلك حماية الضرورات الخمس مهمة جداً، تلك التي لا حياة للإنسان بدونها ألا وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، فهي التي تقف حياة الإنسان عليها، لذا جاء الإسلام بما يضمن الحفاظ عليها.
وليس المقام لبيان الأدلة التي جاء الإسلام بها، وإنما يهمنا هنا هو ضرورة الحفاظ على الدين والعقل، فكل منهما مرتبط بالآخر في موضوعنا، لاسيما وأن الدعوة إلى إعمال العقل وعدم الحجر عليه قد ظهرت من جديد؛ ليكون عنواناً لأمر خطير يتضمنه ألا وهو المروق من الدين بشعارات براقة، وكلمات حق يُرَادُ بها باطل.
فهل يا ترى أصحاب هذه الدعوة يتطلعون إلى حرية الفكر أم حرية الكفر؟
حرية التفكير في الإسلام:
حرية الفكر هي إعمال العقل في بحث المقدمات، وتمحيص واستخلاص النتائج بعد النظر والاستدلال، وفهم القواعد والنصوص، وهذا المفهوم للحرية الفكرية دعا إليه الإسلام، بل أجزم يقيناً بأنه ليس هناك من يدعو إليها كما يدعو الإسلام، حتى جعلها فريضة يجب على الإنسان أداؤها، ويأثم لتركها، فقد دعا الإسلام إلى النظر في الكون فقال تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) )، وقال تعالى: (( قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) )، وقال تعالى: (( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ).
كما رفض الإسلام الظن وعدم التيقن في المعرفة، وحمل على الذين يتبعون الظن والأوهام حملة عشواء فقال تعالى: (( وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً ) )، كما حمل على الذين يقلدون آباءهم ورؤساءهم التقليد الأعمى بل وجعلهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً فقال - تعالى- مبيناً حال الكفار الذين يقولون: (( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ ) )، وقال - تعالى- في حالهم أيضاً: (( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) )، وقال - تعالى-: (( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ) ). ثم دعا الإسلام إلى الاستدلال وإثبات الحقائق بالبراهين فقال - تعالى-: (( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ).
الحرية المظلومة:
لكن حرية التفكير كثيراً ما تستخدم لخداع الأجيال وتدميرها، وصرفها عن أصولها، وإبعادها عن مسارها الصحيح، وتشكيك العوام من الناس في مواريثها.
نعم يريد أصحاب الحرية المزورة تشكيل أفكار مخصوصة؛ حتى تتبدد رسالة الأمة، وتتلاشى وتتفكك مع الأيام، ومن هنا كانت أحياء أفكار وشبهات ماتت من جديد بادعاء أنها تدخل في نطاق حرية التفكير، إن تباين الأفكار واختلافها ضرورة فكرية، ولن يخلو تاريخ الإنسانية منها في أي فترة من فتراتها، ولكن أن تصل الفوضى الفكرية بادعاء الحرية الفكرية إلى حد النيل من العقائد والمقدسات فهذا أمر مرفوض غاية الرفض، ومن المؤسف جداً أن نرى بعض المفكرين المعاصرين من يدافع عن تلك السخافات حتى أصبحت حرية الفكر عندهم تصل إلى ذروتها وقمتها عندما ينال الكاتب من الدين والثوابت، وهو ما حصل بالفعل مع سخافات سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، وغيرهم من صعاليك الأدب كما قيل عنهم، كما شد انتباهي الوقفة الصامدة من أولئك مع رواية حيدر حيدر التي لا أتعجب أن يُمْنَحَ جائزة نوبل للأدب يوماً من الأيام على أسخف وأسقط ما قرأت في حياتي، ولولا ضرورة قراءتي لها - حتى لا يدعى أحد أني أحكم عليها من غير قراءتها - لما ضيعت وقتي الثمين مع رواية نجَّسَت الورقة والقلم.
ومن هنا خرجوا!!
بعد أن وضعوا الحبال في عنق لينين في عقر داره، وخروا به أرضاً ليعلن الروس بذلك نهاية عهد من الحكم الشيوعي، وبداية عهد الثمار المجنية من ذلك الحكم، والتي جعلت من روسيا مسرحاً لأكبر العصابات والمافيات ومؤسسات غسيل الأموال في العالم، هذا ما حصل في مهد الشيوعية.
أما الشيوعيون والماركسيون في البلاد الإسلامية فقد باتوا كذيل الأفعى عندما تقطع رأسها، الأمر الذي أدى بهم أن يسلكوا إحدى الاتجاهات التالية:-
-طائفة بقيت صامدة وثابتة تحمل الأفكار الشيوعية.
-طائفة تخلت عن كل ما كانت تعتقده من أفكار، وجلست في بيتها تاركة كل شيء.