فهرس الكتاب

الصفحة 9260 من 27364

كارل فيك - واشنطن بوست

ترجمة: زينب كمال

17 ربيع الأول 1427هـ الموافق له 15 أبريل 2006م

كان الخلاف الذي اندلع بسبب الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم على أشده صباح يوم الأحد عندما اخترقت رصاصة قلب القديس 'أندريا سانتورو', والتي على إثرها لقي الكاهن البالغ من العمر 61 عاماً مصرعه في الحال، لقد كان الكاهن سريع الاستثارة بوجه خاص في الجدال الدائر بين أتباع الديانتين الذين يتصايحون فيما بينهم.

والآن وبعد مرور شهرين على تلك الحادثة لا يزال الكثير من الناس مقتنعين بهذا التفسير حتى اليوم، فطبقاً لما رواه الشهود أطلق القاتل النار على القس الإيطالي من الخلف, ثم صاح بعدها قائلاً: 'الله أكبر'.

ولكن هناك تفسير آخر للحادثة سيطر بشدة على أذهان السكان الذين يقطنون تلك المدينة الصغيرة التي تطل على البحر الأسود, وذلك في الأسابيع التي أعقبت تلك الحادثة التي وقعت في الخامس من شهر فبراير بالقرب من منصة الكنيسة الوحيدة هناك، والتي تقع على بعد مئة ميل، كان السكان يتهامسون فيما بينهم أن القس كان يعمل منصراً, وأن مقتله كان بسبب نزاع على النقود التي يقول الأتراك منذ فترة طويلة: إن المنصرين يدفعونها للمسلمين سعياً لتحويلهم للنصرانية.

يقول رجب هيكوركميز سائق إحدى سيارات الأجرة الصغيرة البيضاء التي تكتظ بها شوارع المدينة شديدة الانحدار: 'كل الناس يقولون إنه كان يدفع للكثير من طلبة الجامعات 100 يورو شهرياً لتنصيرهم'، وتقول امرأة تطل شرفة الشقة التي تقطنها على الكنيسة: 'أنا أيضاً سمعت ذلك الكلام'، موضحة أنها سمعت سانتورو يتجادل مع جماعة من الشباب في اليوم الذي سبق الحادثة، ولكنها قالت: إنها لم تسمع الحوار الذي دار بينهم، وأضافت: 'إنهم يقولون إن الفتى أخبر صديقه بأن القس أعطاه مئة يورو للتسجيل هنا, وأنه إذا ما رحل فإنه سوف يحصل على نفس المبلغ منه'.

ويبدو أن هذه فقط هي كل الآراء التي يرى الناس أنها سبب في الحادث، ويقول 'ماهيا أوستا' - المحامي الذي يتولى الدفاع عن الفتي التركي المتهم باغتيال الكاهن: إن هذه الأنشطة التنصيرية 'ليست لها أي علاقة بقضيتنا'، كما قال زعماء الجالية المسيحية شديدة الصغر الموجودة بتركيا، إن الإشاعات القديمة التي تقول بأنهم يدفعون أموالاً لتنصير المسلمين قد أضرت بسانتورو على وجه الخصوص.

ويقول الأسقف لويجي بادوفيز أسقف الكاثوليك بالأناضول: 'ليس لدينا مال ندفعه لأحد'، وأضاف: 'إنني أعطي لأندريا نفسه 300 يورو شهرياً، فمن أين له أن يعطي هو لكل فرد 100 يورو شهرياً!'.

ولكن يبدو أن لهذه الروايات المحلية للحادثة خلفية ما في الحقيقة, هذه الخلفية تكمن في ذلك االشعور المترسخ في تركيا - تلك الدولة التي من المفترض أنها جمهورية علمانية، والتي كثيراً ما يستشهد بها المسئولون الأمريكيون حيث يعتبرونها نموذجاً للديمقراطية في العالم الإسلامي - من انعدام الثقة، والارتياب في المسيحية.

يقول عيسى كيراتيس الناطق باسم الكنائس البروتستانتية الإنجيلية والتي يبلغ عددها حوالي 80 كنيسة: 'ربما تكون تركيا حقاً دولة علمانية, ولكن تصرفاتها وسلوكياتها ليست كذلك'.

لقد كانت تركيا تلزم النصارى واليهود بدراسة الدين الإسلامي في حصص الدين التي تعد بدءاً من السنة الرابعة بالمدارس التركية, وذلك إلى أن تمكنت الأقليات الدينية من تغيير القانون، كما قامت الدولة بمصادرة المئات من ممتلكات الكنيسة, ولكنها أعادت مؤخراً بعضاً مما صادرته تحت ضغط الاتحاد الأوروبي التي تسعى للانضمام إليه.

إن تركيا التي يبلغ عدد النصارى بها 100.000من إجمالي عدد السكان البالغ 70 مليون نسمة تؤيد بصفة رسمية، وتحمي كل المعتقدات الأخرى غير الإسلام, ولكن تركيا على خلاف أفغانستان التي هددت الشهر الماضي بإعدام أحد المرتدين الذي تحول إلى النصرانية, ليس لديها قوانين تجرم الردة بالنسبة للمسلمين, أو تمنع المحاولات التي تسعى لإغوائهم بترك دينهم أو لتنصيرهم.

ورغم ذلك قامت الشرطة التركية بتوجيه تهم لـ293 شخصاً بدعوى ممارستهم لـ'أنشطة تنصيرية', وذلك في الفترة من عام 1998 وحتى 2001, وهذا طبقاً لما أعلنه رئيس الوزراء أمام البرلمان مؤخراً، بالإضافة إلى ذلك فإنه يتم تحذير كل من يجري مكالمة هاتفية مع الجماعات المسيحية العاملة داخل تركيا من التفوه بكلمة 'منصر' على أي خط هاتف مفتوح.

ويقول أحد موظفي الاستقبال: 'الكثير من أصدقائي يستخدمون كلمة 'إم' بدلاً منها.

ويعود هذا التوتر على الأقل إلى القرن الثالث عشر، عندما تم طرد الصليبيين من تلك المدينة التي تحمل اليوم اسم إسطنبول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت