فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 27364

إدريس الكنبوري

بعد أشهر عدة من الجدل السياسي بشأنه وانقسام آراء السياسيين والمهتمين حوله، أصبح قانون الأحزاب السياسية الجديد في المغرب حقيقة نافذة بعد المصادقة عليه في جلسة برلمانية فارغة تقريبًا، إذ لم يحضر للتصويت على القانون الذي أثار الكثير من السجال، من ضمن نحو 325 نائبًا في البرلمان سوى عدد قليل من النواب، وتم التصديق على القانون ب"أغلبية"44 صوتًا ومعارضة نائبين وامتناع 22 عن التصويت، الأمر الذي أبان درجة الأزمة السياسية في البلاد وغياب التأثير السياسي للأحزاب، في التعاطي مع قانون هو الأول من نوعه في المغرب.

ومنذ عدة أشهر والقانون المشار إليه يرقد في رفوف الحكومة التي كانت تريد بحسب المراقبين اختيار الوقت المناسب لتمريره أمام البرلمان في صمت، نظرًا للانتقادات الواسعة التي تلقاها، سواء من قبل الأحزاب السياسية التي تراجع العديد منها عن انتقاداته في النهاية، أو منظمات المجتمع المدني التي لا تزال ترى في هذا القانون محاولة للقضاء على حرية الأحزاب السياسية ووسيلة لفرض وصاية الدولة عليها، ونظمت وقفة احتجاجية ضده أمام مقر البرلمان في الرباط. لكن الملك بادر خلال تدشين الدورة البرلمانية الحالية إلى دعوة الحكومة للإسراع بإخراج القانون إلى حيز الوجود، مما دفعها إلى المسارعة به، بعد ممارسة نوع من الضغوط على قيادات الأحزاب لسحب انتقاداتها أو التراجع عن بعض التعديلات التي تقدمت بها داخل اللجنة البرلمانية المكلفة بالتشريعات.

قانون التغلب على الأزمة: جاءت الدعوة إلى وضع قانون للأحزاب السياسية في العام الماضي من الملك وليس من الأحزاب نفسها، مما أكد أن هذه الأخيرة أصبحت غير قادرة على المبادرة وفقدت الكثير من قوتها سواء بسبب حالات التسرب لأعضائها أو حالات الانقسام داخلها أو تركيزها على المحطات الانتخابية وفقدان التواصل مع المواطنين وسيطرة الصراعات فيما بينها وتكاثر عددها، إلى حد أصبحت تدعى ب"الدكاكين". وتكمن رغبة الملك من وراء إخراج قانون للأحزاب حسبما أعلن في خطابه العام الماضي في تقوية دور الأحزاب السياسية وتمكينها من أداء المهام المنوطة بها في تأطير المواطنين وإصلاح الأوضاع الحزبية، ويقول بعض المنتقدين لسياسة الحكم في المغرب: إن الأحزاب وصلت درجة من الضعف لم تعد تلعب لصالح الملكية، حتى إن أسبوعية"لوجورنال"الفرانكفونية شديدة الانتقاد للملك وحاشيته كتبت قبل أيام أن"طبيعة التحالف القائم بين الملك والأحزاب وصمت هذه الأخيرة يشكل خطرًا على البلاد"، إذ هناك تخوف لدى الدوائر الرسمية من أن يتحول تراجع شعبية الأحزاب وعجزها إلى رصيد إضافي للحركات الإسلامية.

من هنا يرى المراقبون أن الهدف من وراء وضع القانون هو دفع الأحزاب من جديد إلى لعب دور في الحياة السياسية واستعادة نفوذها في الشارع السياسي، وظهرت رغبة الحكم في ذلك في محطتين خلال هذا العام، الأولى: عندما أعلن الملك في مايو الماضي عن"المبادرة الوطنية الكبرى للتنمية البشرية"لإخراج البلاد من النفق الاجتماعي والاقتصادي الحاد إثر تقرير للبنك الدولي دق ناقوس الإنذار حول خطورة الأزمة في المغرب، حيث دعا العاهل المغربي الأحزاب السياسية إلى بلورة تصورات حول هذه المبادرة الشاملة ووضع الملف الاجتماعي على رأس أولوياتها في التحضير لانتخابات عام 2007م، الأمر الذي علق عليه البعض قائلًا: إن الملك أصبح هو الذي يرسم برامج الأحزاب التي تفتقد للبرامج، أما المحطة الثانية فهي مطالبة الملك في شهر أكتوبر الماضي للأحزاب بوضع تصورات تهم قضية الصحراء ومشروع"الحكم الذاتي"الذي طرحه لإنهاء النزاع وتقديمها له، ذلك بعد فترة طويلة من غياب الأحزاب عن هذه القضية التي تعتبر"مقدسة"في البلاد وتدخل ضمن اختصاص القصر والدوائر المقربة من الملك.

يشكل قانون الأحزاب المغربي الجديد تراجعًا كبيرًا عن قانون الحريات العامة لعام 1958م الذي كان الإطار القانوني المنظم للأحزاب خلال العقود الماضية، على الرغم من المفارقة الكبرى فيه، وهي أن الأول وضع بعد عامين فقط من استقلال البلاد عن فرنسا في وقت كان يفترض أن البلاد لم تحقق النضج السياسي المطلوب ولم يكن هناك سوى حزبين رئيسين، بينما وضع الثاني بعد خمسين عامًا من الاستقلال وحصول الكثير من التراكمات في التجارب السياسية المتوالية ووجود نحو 43 حزبًا سياسيًا.

قيود وهواجس أمنية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت