فهرس الكتاب

الصفحة 5470 من 27364

د. سارة بنت عبد المحسن بن جلوي* 19/4/1423

يمر العالم الإسلامي اليوم بأوقات حرجة، ويعيش لحظات حاسمة في تاريخه، تقف به على مفترق طرق، طريق يقوده إلى استعادة مجده، والقيام بدوره الحضاري في قيادة الأمم والشهود عليها، وآخر يهوي به في غياهب التيه والتخبط، وبقية عالة على الأمم.

وعليه أن يأخذ موقفه، ويختار بين مجد يقدمه له منهاجه الرباني الصحيح، وتراثه الإسلامي العظيم، أو أن يستمر في تجرع انهزاميته وهو يرقب انحسار شهوده الحضاري أمام عالم اليوم .

واختياره يعني تحمله مسؤوليته، والمسؤولية هي موقف يتطلب من الإنسان أن يكون جديراً بتحملها .

فمنذ أن يختار المرء موقفاً بعينه، تتحول مسؤوليته إلى فعل متحقق، لا مجرد قدرة على الفعل أو الاختيار فقط .

ومسؤولية الإنسان المسلم أمام نفسه، أو غيره، هي مسؤولية صادرة من مصدر الحكم الأصلي، وهو الله - سبحانه وتعالى- فهي مسؤولية أمام الله ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسؤوُلُونَ) .

لذا فإن المسؤولية - في الإسلام- تمتد من الفرد إلى الجماعةِ، فالأمةِ، فالناسِ كافة، في نظام متناسق كامل مترابط، يوحد الجهود، ويحقق الأهداف، من خلال علاقة جدلية بين رعاية الحقوق وأداء الواجبات. ومن ثم فإن كل لحظة في حياة المسلم تتجسد فيها المسؤولية بصورة ما .

وهنا يتحقق حمل الأمانة التي أشفقت منها مخلوقات الله ، وحملها الإنسان: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وًأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) .

والإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في حمل الأمانة، والقيام بالمسؤولية، فهما مكلفان شرعاً، ومسؤولان قضاء وديانة ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلئِك سَيَرْحَمَهُمُ اللهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .

( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَّنهُ حَيَاةَ طَيِبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَاُنوا يَعْمَلُونَ ) .

فالإسلام بخطابه العام المتعدد الأبعاد قد أناط بالمسلمين جميعاً رجالاً ونساء مسؤوليات شخصية خاصة مثل: العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والأسرة، وغيرها.

ومسؤوليات عامة تتعلق بالمجتمع، وقضايا الأمة، بل ومصير الأمة. مثل: التربية، والتعليم، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد، وغيرها من المسؤوليات العامة التي يؤديها كلٌّ حسب وسعه وطاقته، وإمكاناته المادية، والنفسية والعقلية، وجَعَل ميزان ذلك كُلَّه التقوى والعمل الصالح، لا الذكورة والأنوثة، ومن هنا نقول: إن اختيار الطريق الذي يحكم مصير أمة الإسلام هو مسؤولية في أعناق أهلها رجالاً كانوا، أو نساء .

ومن منطلق القيام بهذه المسؤولية في مثل هذا الزمن الذي كثرت فيه التيارات الفكرية، والعقدية، والأخلاقية، والسياسية، وقوي فيه تدفقها من كل مكان، حتى نازعت المسلم دينه، وقيمة وأخلاقياته، جاهدة في محو ملامح شخصيته الإسلامية المتميزة، وتذويبها في خضم دوامة صراعات لا تنتهي، واستطاعت أن تؤثر في المجتمع المسلم بصورة لا يمكن تجاهلها، أو التقليل من شأنها؛ لأنها أدت إلى اضطرابات سياسية، واجتماعية، وفكرية، وصراعات داخلية أنهكت الأمة ومزَّقت شملها، وفرقت صفوفها، وغربت أبناءها عن دينهم، وقيمهم ، ومجدهم .

أقول: فمن منطلق القيام بالمسؤولية انبعثت حركات الصحوة الإسلامية بتياراتها المختلفة في محاولة صادقة للوقوف في وجه مد تلك التيارات الوافدة، والعودة بالأمة إلى مكانها الصحيح في ظل المنهاج الرباني، ليكون هو الموجه الوحيد لحياتها كلها، وتخليصها من التوتر، والتناقض الذي عاشته ردحاً من الزمن، بين قيم إيمانها وواقعها، وماضيها المجيد وحاضرها المهزوم .

وأصبحت الصحوة الإسلامية واقعاً له أثره الواضح في حياة الأمة، على الرغم من قلة إمكاناتها، وضعف خبراتها، وكيد أعدائها .

واقع العمل الإسلامي النسوي:

من أهمية دورها في مثل هذه الأيام الحافلة بأقصى أنواع الصراعات: العقدية، والفكرية، والاجتماعية، والسياسية مع اختلاف درجاتها، وتباين صورها.

وإن كان لها وجود، فهو وجود محدود في نطاق ضيق لا يؤثر في تحريك عجلة التغيير الاجتماعي نحو الإسلام إلا شيئاً قليلاً .

فواقعها يتسم بالسكونية وعدم الفاعلية، والغياب المقنع عن ساحة الصراع في هذه المرحلة الحرجة من تأريخ الأمة. ودورها ما زال قاصراً وهامشياً، لم يصل إلى المستوى المطلوب من الفاعلية، كما أنه محكوم بالارتجالية وغياب التخطيط.

ولو ألقينا نظرة عامة على ساحة العمل الإسلامي النسوي، نجد أنها متنوعة الاتجاهات وفق طبيعة البلد الذي تتحرك فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت