ناصر محمد الأحمد
الخطبة الأولى:
أما بعد: يعود تاريخ الصراع بين الإسلام والنصرانية إلى بداية الجهاد ضد الروم في غزوة مؤتة، واستمر هذا الصراع مع حَمَلَةِ الصليب عبر الأندلس وصقلية وفلسطين وسواحل بلاد الشام، ناهيك عن الاستعمار الحديث في القرن التاسع عشر، فالحرب بين الإسلام والنصرانية لم تتوقف أبداً منذ مطلع الدعوة الإسلامية وحتى عصرنا الحاضر. وما تزال هجماتهم بادية للعيان هنا وهناك، لتكون شوكة دامية في قلب العالم الإسلامي. إليكم نماذج تاريخية من هذا الصراع المرير مع الصليبيين:
فغزوة مؤتة كانت مثالاً للصراع المبكر بين المسلمين والبيزنطيين، عندما زحفت جيوش الروم مع حلفائهم من عرب غسان في السنة الثامنة للهجرة نحو الجزيرة العربية وكان الصليب شعار الروم آنذاك. واصطدم بهم المسلمون، وسقط عدد من الشهداء على أرض المعركة في مؤتة. واستمر الصراع بعدها لإعلاء كلمة الإسلام فكانت المعارك قوية متعددة، ومن أشهرها معركة اليرموك بقيادة كبار الصحابة - رضي الله عنهم - ورفعت رايات الإسلام على بلاد الشام خفاقة مشرقة كما أن الإسلام دخل مصر أرض الكنانة، وانتهى الأمر باسترجاع تلك البلاد من أيدي الروم الغزاة.
ثم جاءت معركة ملاذكرد والتي تعتبر من المعارك الفاصلة في تاريخ الصراع الصليبي مع المسلمين السلاجقة. انهزم فيها الروم ـ والحمد لله ـ هزيمة ساحقة حتى امتلأت الأرض في آسيا الصغرى بجثث القتلى، وأُسر الإمبراطور نفسه على يد القائد المسلم"ألب أرسلان"وكان الإمبراطور قد رفض مهادنة المسلمين، وسار بجيوش جرارة يعاونه كثير من النصارى الأوربيين، الذين وفدوا على بيزنطة ليساعدها في غزوها للمسلمين.
وتذكر المراجع التاريخية أنهم كانوا يحملون الصليب رمزاً لحربهم المقدس.
ومنذ أن وقعت الكارثة على النصارى في معركة ملاذكرد صاروا لا ينقطعون عن طلب النجدة العاجلة من البابوية ضد السلاجقة المسلمين، وكانت هذه الصيحات من جملة أسباب توجه النصارى الصليبيين إلى بلدان المسلمين، والتي عرفت فيما بعد بالحروب الصليبية الشهيرة. هذه الحروب التي استمرت مائتي سنة وكانت الحملات فيها تتوالى من الغرب الصليبي كالأمواج المتلاطمة واشترك فيها ملوك وأمراء أوربا وكان الصليب فيها شعارهم، واشتركت أقطار أوربا كلها القريب منها والبعيد، فكانت تمد الغزاة بالمقاتلين والسلاح والإمدادات طوال قرنين كاملين. فكانت عدواناً صارخاً حاقداً ليس له نظير في تاريخ الحروب العالمية إذ خلفت الخراب والدمار وكانت سِمتها المجازر الوحشية، مما يعتبر وصمة عار في تاريخ العالم النصراني.
جاءت بعدها حرب الإبادة في الأندلس ضمن سلسلة الصراع بين المسلمين والنصارى، هذه الأندلس درة الحضارة الإسلامية في أوربا خلال 800 سنة تعبث فيها أيدي الحاقدين من النصارى وتقضي على معالمها الزاهرة وأبنائها المسلمين، فتصبح أثراً بعد عين.
الأندلس التي كانت تتعالى فيها تراتيل المؤذنين أمست نواقيس الكنائس فيها تصم الآذان، حتى لا تسمع للتوحيد صوتاً في تلك الأرض التي أشرقت بنور الإسلام ثمانية قرون، وفي سنوات معدودة لم يبق للإسلام فيها أثر، وأصبحت خبراً يذكر، وليس الخبر كالمعاينة.
سقطت الأندلس بعد قرون من البناء والتقدم والازدهار وإشاعة العدل والتسامح مع جميع السكان من ذوي الأديان المختلفة كانت إبادة المسلمين في الأندلس وصمة عار أخرى على النصارى الصليبيين رغم السماحة التي عومل فيها النصارى من أهل أسبانيا طوال قرون خلت، إذ سمح المسلمون لهم أن يحتفظوا بشرائعهم وقضاتهم، وعُيّن لهم حكام للأقاليم من أنفسهم، فتأمل في هذه المعاملة وبين ما فعله النصارى بمسلمي الأندلس حيث وصف الحال الشاعر أبو البقاء الرندي هذه المأساة في قصيدته المشهورة حيث يقول فيها:
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف *** كما بكى لفراق الإلف هيمان
حيث المساجد قد صارت كنائس ما *** فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة *** حتى المنابر ترثي وهي عيدان
لمثل هذا يذوب القلب من كمد *** إن كان في القلب إسلام وإيمان
أيها المسلمون، أوقع العثمانيون أيضاً هزائم عديدة لنصارى أوربا، كان من أهمها هزيمتهم في كوسوفو عام 1389م، حيث أحرز العثمانيون نصراً مؤزراً على جيوش النصارى التي بلغت أكثر من مائة ألف، فقتل منهم الكثير، وأسروا وغرق آلاف منهم في نهر الدانوب، وكان البابا هو الذي أمر بهذه الحملة ضد المسلمين. بعدها سقطت القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح - رحمه الله -، ومنذ ذلك التاريخ وحتى القرن العشرين وقادة أوربا يضعون الخطط للإجهاز على الدولة العثمانية واقتسام تركتها.
تبين للسلطان عبد الحميد حقيقة هذا التآمر الخبيث وقال بمرارة:"للصليب أن يتحد في كل وقت، لكن الهلال يبقى دائماً بمفرده".