القبس الحادي عشر
قال تعالى: (( وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ ) ) (يونس: 78 ) .
إنّها تهمة قديمة، وجهها الملأ من قوم فرعون لموسى وهارون - عليهما السلام -، تهمة استغلال الدين للحصول على مكاسب سياسية، وهو ما يعبّر عنه اليوم خصومُ الدعوة من المنافقين وغيرهم بـ (الإسلام السياسي) (!) .
فهذا المصطلح ليس جديداً حادثاً، وإنّما هو موروث عن إمام الطغاة والمستكبرين فرعون اللعين، لتشويه صورة أولئك الدعاة المخلصين، والتنفير عنهم، وإظهارهم بأنّهم وصوليون انتهازيون، وهو أسلوب رخيص مكشوف، فإنّ الدعاة لو أرادوا مكاسب سياسية- كما زعم أولئك المفسدون - لسلكوا مسالك المنافقين المتستّرين بالدين تارة، وبالوطنية تارة، وبما يسمّى بالليبرالية الإسلاميّة تارة أخرى، وبغير ذلك من المسميات حسب ما تقتضيه الظروف والأحوال.
وها هنا مسألة تشكل على كثير من الناس حتى المثقّفين منهم، ألا وهي علاقة الديني بالسياسي، فأقول: إنّ ممّا ينبغي أن يعلمه كلّ مسلم أنّ الدين - الذي هو الإسلام- اسم جامع لكلّ مناحي الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعيّة، وحتى الرياضية والفنيّة، وغيرها، وإنّ من الخطأ الفادح، والجهل الفاضح، أن يُجعل السياسي في مقابل الديني، فهذه طريقة أهل العلمنة للتلبيس على الناس، فالسياسة جزء من الدين، كما الاقتصاد والاجتماع.. الخ، ولكن، هل من الممكن أن يُجعل أحدهما وسيلة لتدعيم الآخر ونصرته ؟ أقول: نعم، والناس في ذلك صنفان.
أحدهما: من يتوسّل بالسياسي من أجل تحقيق الديني ونصرته، إعلاءً لكلمة الله تعالى، وهذه هي طريقة الأنبياء - عليهم السلام- وأتباعهم من الدعاة المخلصين، ولعلّ أوضح الأمثلة على ذلك: ما فعله نبيّ الله يوسف عليه السلام من تولّي ملك مصر من أجل نصرة دين الله، وإقامة العدل الذي يحبّه الله تعالى، بل إنّ لنبيّنا محمّد r أوفر الحظّ والنصيب من ذلك، فهو أعظم سياسي في التاريخ.
ويدخل في هذا الصنف ولكن بوجهة مغايرة: من يستغل السياسي من أجل تحقيق دين باطل أو معتقد فاسد ونصرته، كما فعل المأمون حين امتحن أهل السنة بما يُعرف بفتنة خلق القرآن، وإنّما أراد نصر مذهب الاعتزال، وكما تفعل اليوم قوى اليمين المتطرّف في دول عديدة من العالم.
الصنف الثاني: على العكس من الصنف الأوّل، وهو من يتوسّل بالديني من أجل تحقيق مكاسب سياسيّة، وهؤلاء هم الوصوليون حقاً، أو حسب المصطلح الشرعي: المنافقون، وهم مهما تستّروا بالدين؛ فإنّهم مكشوفون مفضوحون، كما قال الله تعالى عنهم: (( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) ) (محمد: 30) .
وبهذا التفصيل يزول الإشكال الذي قد يلتبس على الناس حول علاقة الديني بالسياسي، وتتضح التهمة التي طالما تعلّق بها أعداء الرسل والدعاة، والله تعالى أعلى وأعلم.