فهرس الكتاب

الصفحة 13380 من 27364

وفي السعودية ( لحى ليبراليه ) !!

سليمان بن صالح الخراشي

كنت قد كتبتُ قبل عام تقريباً مذكرة بعنوان"العصرانية قنطرة العلمانية"بينت فيها أن التغريب غزا المجتمعات الإسلامية بطريقتين:

إما بطريقة مباشرة؛ كما في المجتمعات التي لا تركن إلى هيئة شرعية بارزة، حيث لا توجد عوائق أمام التغريب . وإما بطريقة غير مباشرة بل من خلال (وسيط) ؛ وذلك في المجتمعات التي تركن إلى هيئة شرعية بارزة؛ كالبلاد المصرية -لوجود الأزهر وعلمائه-، ومثلها السعودية.

والوسيط هنا هو"العصرانية"التي تحقق الأهداف التي يريدها أعداء الإسلام (من غزاة وعلمانيين) لكن بمسوح شرعي، وقد قام بهذا الدور في مصر جماعة (الأفغاني) -الرجل المشبوه- فمكنوا للاحتلال ثم للعلمانية الصريحة في بلادهم.

ولهذا وجد هؤلاء كل حفاوة ودعم من المستعمر ومن حزب المنافقين تمثل في تصديرهم في الإعلام وتصويرهم أمام عامة المسلمين بأنهم يمثلون ( الإعتدال ) و ( الوسطية ) !! في مقابل المتشددين والمنغلقين ...الخ !؛ نظراً للدور الذي قاموا به، وقد نقلتُ شيئاً من أقوال الطائفتين في مدح (جماعة الأفغاني) في المذكرة السابقة، وتجمع لي من ذلك فيما بعد شيء كثير أضيفه لاحقاً -إن شاء الله-.

ومن ذلك مقولة ( النصراني الماركسي !) جورج طرابيشي: ( من وجهة نظر مرحلية فإن مهمة ثورة لاهوتية لاتزال مطروحة على جدول أعمال العقل العربي ، وهي ثورة يزيد ضرورتها إلحاحًا مايشهده العالم العربي اليوم من صحوة ... - إلى أن يقول - وعلى أي حال فليس لنا أن نتصور فولتيرًا عربيًا بدون لوثر مسلم ) !! ( مجلة أبواب ، 16/114-115) . أي أنه لا علمانية دون عصرانية تمهد لها .

وانظر أيضًا ماذكره عبدالإله بلقزيز في كتابه ( الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر ، ص 285 ) .

ثم اطلعتُ على كتاب للدكتور (رفعت السعيد) -الشيوعي المصري المعروف- بعنوان"عمائم ليبرالية"! يثني فيه على الجماعة ( العصرانية ) المذكورة في مصر، وينوه بجهودها في تغريب البلاد أو مايسميه"تنويرها"!، ويعترف صراحة في (ص157) بأنه أراد بهذا الكتاب أن يُسهم -كما يقول- ( في المعركة الدائرة لم تزل، والتي من فرط الظلام الفكري الذي فرضه المتأسلمون فرضت علينا أن نخوضها متراجعين ومتحصنين بآراء عمائم هي بالضرورة أعمق مرجعية وأكثر دراية بالشأن الديني) !!

فهو يقر بأن استعانته بهذه الفئة العصرانية (المعممة) ليس حباً فيها؛ إنما لأجل أنها تمثل (القنطرة) التي تحمل العلمنة إلى البلاد الإسلامية التي تصعب علمنتها مباشرة؛ ولأنها أقدر على خداع بعض المسلمين بما تحمله من علم شرعي سوف يُسخر لهدم الدين من داخله! -كما يزعمون-، وهذا يذكرنا بوصية محمد عبده لشيخه الأفغاني بقوله:"لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين"!!

فطليعة الفئة العصرانية في مصر (الطهطاوي، الأفغاني، محمد عبده، الكواكب، علي عبد الرازق..) أدت الدور المناط بها دون أن تخلع (عمائمها) ؛ لأن هذه (العمائم) شعار مهم في تلك المرحلة لتسهيل المهمة. حتى إذا استقر الأمر لهم رأينا كثيراً من الجيل الثاني للعصرانية يكشف عن وجهه القبيح، ويجاهر بعلمانيته، ويلقي هذه العمائم وراءه ظهرياً (سعد زغلول، أحمد لطفي السيد، قام أمين ...) .

صلى المصلي لأمر كان يطلبه

فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما!

وسبب ذلك أن العصرانية مجرد وسيط أو ناقل غير ثابت، فهي كاللهب الذي يشع ثم سرعان ما ينطفئ بعد أن يقضي مهمته، والعصراني كمن يسير على رجل واحدة، سرعان ما يتعثر فيسقط بعد أن يتشبع بالفكر العلماني المصادم للدين الذي قد يصل به إلى الإلحاد -نسأل الله العافية- بسبب استغراقه في هذا الفكر الخبيث وتحطيمه لكل المقدسات ، إلا أن يتداركه الله برحمة منه فيعود سوياً يمشي على صراط مستقيم. (قارن برشيد رضا الذي نبذ العصرانية بعد أن انكشف أمرها وعاد إلى دعوة الكتاب والسنة، ولله الحمد، ولا ينفي هذا بقاء لوثة من لوثاتها في تراثه، ولكن شتان بينه وبين من انتكس وارتكس) .

أقول -بعد هذا-: وفي السعودية بدأنا نلمح ظهور"اللحى الليبرالية"!! من أصناف الشاذين والطامحين ، هذه اللحى التي أصبح (البعض) يمكنها من التصدر في الصحف والقنوات لتؤدي ما أدته أختها في مصر، وليس من المستغرب بعد أن عرفتَ الدور المناط بها أن ترى هذه"اللحى الليبرالية"تنسف ثوابت الدين وأصوله، وتقع في العظائم والمكفرات، بدعوى الاجتهاد وحرية الخلاف... الخ دعاواهم. لكن هذا الاجتهاد المزعوم لا يطال أمر اللحية التي يتحلون بها!! (وحلقها هو مجرد معصية) .

والسبب: أن هذه"اللحية"-مهما تضاءلت !- لابد أن تبقى كما بقيت"العمامة"على رؤوس طلائع العصرانية في مصر. فهي (جواز المرور) الذي سوف يسهل مهمة العملية التي كلفوا بها، ولذلك لن تمس بسوء مهما كانت الظروف!

ولكني أقول لهذه"اللحى الليبرالية":

ليس الخليل كما قد كنت تعهده *** قد بدل الله ذاك الخل ألوانا

وأقول لهم -أيضاً- ما قاله الشاعر في أسلافهم بمصر:

ليت شعري ماذا دهي مصر حتى *** عاث فيها أولئك المارقونا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت