فهرس الكتاب

الصفحة 10223 من 27364

عمر بن عبد الله المقبل (*) 22/4/1425

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن مثل هذه التساؤلات، والآهات التي تنفثها صدور كثير من شباب الأمة، لهي والله بشير خير، كيف لا؟ وقد أتى على أكثر شباب قبل ثلاثة عقود من الزمان تقريباً، ولا هم لهم إلا الحديث عن الفن والكرة ونحوها من الأمور التي شغلوا بها ردحاً من الزمن!

لقد مرّت فترة على أكثر الشباب ،وأحدهم ربما بكى لأن فريقه الكروي انهزم ، أو مطربه المفضل مات، واليوم نرى كثيراً من شبابنا -ولله الحمد-ترتقي همهم ،ليكون بكاؤها على ما يستحق البكاء.. ألا وهو البكاء على ما يحل بالمسلمين من ظلم وقتل واغتصاب من قبل أعدائهم.

وفرحتنا بهذا التحول في الاهتمامات ،وبهذه التساؤلات والآهات -لكي تكتمل -يجب أن نستثمرها استثماراً إيجابياً حتى لا تفتر هذه العزمات المتطلعة لنصر الأمة.

أما النواح والبكاء دون عمل، فليس هذا من هديه صلى الله عليه وسلم ، ولك أن تعلم مقدار حزنه العظيم الذي كاد يفلق كبده على شهداء أحد، ومع ذلك لم يمنعه ذلك المشهد - الذي بقي معه إلى أن مات- من الاستمرار في الجهاد لهذا الدين، وتبليغه.

وإذا تحدثنا عن أهمية استثمارها ، فإننا نؤكد على أهمية ترشيد هذه التساؤلات حتى لا يساء استخدامها في أمور قد يُظَن أنها نافعةٌ وليست كذلك، والسبيل إلى ذلك إنما يكون بترشيدها، وهذا يمكن تحقيقه بعدة أمور:

1-يجب أن لا نغفل ـ في زحمة الأحداث، وشدة وطأتها على قلوبنا ـ عن السنن الإلهية في ابتلاء أهل الإيمان، فلقد ابتلي من هومنا، وكم في الإبتلاءات من الألطاف الخفية لربنا تعالى ،والتي قد تعجز عقولنا عن تصورها،فضلاً عن الإحاطة بها.

أين أنت أخي عن قوله تعالى لخير جند مشوا على وجه الأرض: محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته؟ الذين قيل في حقهم -لما ابتلوا بما ابتلوا به يوم أحد:"وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ"قال غير واحد من السلف: أي: ليختبر الذين آمنوا، حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم.

وقيل لهم أيضاً:"وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ"، أي: يختبركم بما جرى عليكم ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال .

أخي: كم في الأمة من العلل؟ وكم فيها من الدخلاء ؟ وكم فيها ممن يدعي الحرقة والأمر ليس كذلك؟!

هل نسيت أيها المبارك ما وقع لنبيك - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ؟ أو يوم الأحزاب؟!.

إن هذه الأحداث التي أقلقتك وأزعجتك ، إنها تحت سمع الله وبصره، والله -تعالى- أغير من خلقه أن تنتهك حرمات عباده ،وتغتصب نساء أوليائه ،ويُعرض عن دينه ،ويحارب حزبه ،ولكنها السنن - أيها الأخ الكريم - التي ربّى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها أصحابه حين اشتكوا إليه شدة ما يلقون من المشركين ، ومنهم خباب - كما في البخاري - قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال:"كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

وهذه الجملة الأخيرة، يجب ألا تغيب عن الأذهان، ونحن نبحث ونتلمس النصر لهذا الدين..

ويجب ألا تغيب ونحن نسمع أو نعلم عن إخوان لنا في السجون قد يموت أحدهم في سبيل الله ، ويجب أن ندرك أن الأمر كما قال الشاعر:

فتلك سبيلٌ ، لست فيها بأوحد

2 ـ ومع استحضار سنة الابتلاء، فإننا يجب أن نتذكر أن هذا الطغيان والاستبداد الذي تراه من أمم الكفر، هو أيضاً لا يخرج عن سنة أخرى من سنن الله تعالى في الأمم، وهي أن هذا في الحقيقة تمهيد لمضي سنة أخرى من سنن الله تعالى، ألا وهي محق الكفار.

يقول ابن القيم -رحمه الله - وهو يتحدث عن العبر من غزوة أحد في (زاد المعاد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت