عبد الله بن إسحاق 20/3/1424
قامت السلطات الموريتانية -في الآونة الأخيرة- بحملة اعتقالات في صفوف الإسلاميين، طالت رمزين من أهم رموز التيار الإسلامي الناضج والمعتدل في (موريتانيا) ، ومجموعة من الخطباء، وقبل ذلك اعتقلت ثلة من قيادات حزب البعث، وجاءت هذه الخطوة بارزة في مسلسل غريب بدأته السلطات منذ سنوات قليلة، كان أكثر ما فيه إثارة إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الصهيوني، في أقسى الظروف التي مرَّ بها الشعب الفلسطيني البطل، وفي ظل أكثر الحكومات الصهيونية تطرفاً، وأشدها مطالاً في وعود السلام المزعوم .
ومن قبل ذلك ومن بعده خطوات أقل ما يقال عنها: إنها تحدٍ صارخ لمشاعر الشعب الموريتاني المسلم الأبي، واستهانة لا تتحمل بمقدساته ومُثله الثقافية، من ضمنها (فَرْنَسَة التعليم) ، ومحاصلة البقية الباقية فيه من ملامح الهوية الخاصة والذات الحضارية، والصمت المخزي عن كل ما أصاب الأمة من مآسٍ في فلسطين وأفغانستان، وأخيراً في العراق، والتضييق الشديد على الشعب، ومحاصرته واغتصاب أرضه في التجمع والتظاهر؛ تعبيراً عن تفاعله مع قضاياه وقضايا أمته.
لكن هذا الشعب العريق في أصالته، والقوي في إيمانه رفض الرضوخ لذلك التطويق، وتحدَّى القمع الذي مارسته السلطات ضد قياداته ورموزه الفاعلة، ورحَّب بكل ما أصابه -في هذا السبيل- من أذى، وعبر بأصواته الحرة ومنابره المختلفة وبكافة فاعلياته السياسية والاجتماعية عن رفضه لكل إلحاق واستسلام، وعن وقوفه مع إخوانه المستضعفين في كل مكان، وخاصة في فلسطين والعراق وأفغانستان.
وكان للإسلاميين في هذا المضمار النصيب الأوفر، والقدح المعلَّى ،ولا غرر في ذلك؛ فهم عمق هذا الشعب الفكري والثقافي وضميره الحي.
وقام الشيخان الجليلان -العلامة الشاب (محمد الحسن بن الندو) ، والأستاذ المفكر والكاتب الشاب (محمد جميل بن منصور) - بجهود كبيرة، كان مصيرها أن قلدتها السلطات بوسام الاعتقال.
فأصدر الشيخ (محمد الحسن بن الندو) فتواه المشهورة -التي شاطره التوقيع عليها جمهرة واسعة من أبرز علماء البلد- في حرمة التطبيع مع البضائع الأمريكية والإسرائيلية، وقاد حملة دعوية واسعة من خلال خطبه ومحاضراته في أنحاء عدة من البلاد. حثَّ فيها الشعب الموريتاني إلى الوقوف إلى جانب الشعب العراقي في محنته الأخيرة، ومده بكل ما يُستطاع.
وقام الأستاذ (محمد جميل منصور) بنشاطات إعلامية وسياسية كبيرة في هذا المجال فأسس -مع جمهور من الشرفاء الغيورين من كل التشكيلات السياسية- الرباط الوطني لمكافحة التطبيع، ونصرة القدس، وعقد الندوات، ونظَّم المظاهرات، وألقى المحاضرات تعبيراً عن هذا المسعى.
وكانت المبررات التي استندت إليها السلطات في عملية الاعتقالات أقل تماسكاً، وأشد تهافتاً من أن تنطلي على من له أدنى إلمام بجهود الشيخين وأقل معرفة بهما، وهي مبررات نمطية لا تخرج عن الموضة الحالية التي تعلو الخطاب الأمريكي، من علاقة بشبكات الإرهاب العالمية، وتجنيد الشباب في المساجد.
والمعروف عن الشيخين -وعلى نطاق واسع- هو الاعتدال والإيمان بالجهود السلمية بالكلمة الطيبة، والتعبير السلمي عن المواقف.
فالشيخ (محمد الحسن) أحد أبرز العلماء الشباب الذين تربوا على الطريقة التعليمية الموسوعية التي كانت تنتجها المحاظر الموريتانية، والتي تعيد إلى الأذهان أناساً عرفوا جنات الأرض مشرقاً ومغرباً، يحملون معهم العلم والنور والتبحُّر في شتى ألوان المعرفة، مضافاً إلى ذلك النهل من ثقافة العصر وعلومه. وعرفته منابر موريتانيا ومساجدها -منذ أكثر من عقد من الزمن- داعياً إلى الله على بصيرة، مرسخاً الوعي الإسلامي الشمولي المعتدل، وعرفه تلامذته وأساتذته في السعودية، حيث يحضِّر الآن لنيل درجة الدكتوراه في الفقه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وأما الأستاذ (محمد جميل بن منصور) ، فهو من أبرز المفكرين الإسلاميين والكتاب الشباب، عرفته المنابر الموريتانية محاضراً ومناقشاً وكاتباً يصدع بكلمة الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، مع اعتدال في الطرح وإنصاف الآخر، وجودة في التعبير وجدية في الأفكار، وصدق في التوجهات، وإيمان عميق بالتغيير السلمي والتداول السياسي.
وعرفته الساحات السياسية حاملاً هموم المظلومين، داعياً إلى العدل الاجتماعي والإصلاح السياسي والوحدة الوطنية، وقيادياً في أهم أحزاب المعارضة ( حزب تكتل القوى الديمقراطية) ، ومنتخباً -من طرف جماهير عريضة وبأغلبية ساحقة- عمدة في إحدى أهم بلديات العاصمة.