د. محمد يحيى 1/9/1424
بعد غزو العراق أعلنت أمريكا بوضوح أن أهم أهدافها من احتلال العراق هو تغيير نظام التعليم، وبالأصح المناهج والأفكار والمضامين لكي تصبح ديمقراطية ومضادة للدكتاتورية وحديثة.
وعندما بدأ الناس يسمعون بالتفاصيل تبين أن المقصود بصفة عامة هو تغريب تلك المناهج العراقية إلى حد أن الأمريكان تحدثوا عن ترجمة كتب الأفكار العامة التي تدرس في المدارس الأمريكية وفرضها على المدارس العراقية في شتى مراحلها. ومع التغريب جاء هدف العلمنة ونزع الإسلام بأشكاله من الكتب المدرسية العراقية بحجة محاربة الطائفية رغم أنه لا يوجد في العراق سوى الإسلام، وكان التركيز الأمريكي على التعليم مثيرًا للتساؤل؛ لأنه أتى في أولوية تفوق اهتمامهم بالبترول رغم الحديث الكثير على البترول باعتباره الهدف الأمريكي الأسمى من الغزو والاحتلال، والواقع أن الحرب الحقيقية على العراق كانت حربًا ضد العقول والضمائر، وضد الإسلام قبل كل شيء، ولهذا الهدف كانت الأولوية المعطاة لمسألة التعليم والفكر.
لقد عاملوا العراق بالضبط كما عاملوا اليابان وألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، فهناك غيّروا مناهج التعليم بالتحديد لمحو الهوية القومية والثقافية والتاريخية والحضارية، وخلف التبعية الفكرية والذهنية لأمريكا في تلك البلاد، وقد نجح هذا التدبير نجاحًا باهرًا بحيث أصبحت اليابان وألمانيا في الدول التابعة لأمريكا بذلة وخنوع، وتأمرك المجتمع في هاتين الدولتين مع الفارق هو أن المجتمع الألماني لم يكن بحاجة إلى تغريب؛ لأنه مجتمع غربي قح؛ بل هو أحد المجتمعات الثلاثية المؤسسة للحضارة الغربية أو الأوربية مع فرنسا وانجلترا، وقبلهما إيطاليا في عصر النهضة، أما اليابان كمجتمع شرقي؛ فكانت بالفعل قطعت خطوات على طريق التغريب قبل الحرب العالمية الثانية، ثم جاءت تلك الهزيمة لتسير البلاد على هذا الطريق لأبعد مداه وإن لم يكن كاملاً مئة في المئة.
مقاومة التغريب
أما في العراق وسائر البلاد العربية؛ فإن الأمركة والتغريب والعلمنة كانت ولازالت تلقى المقاومة الشديدة، بحيث أصبح من المطلوب ضربها الآن بالقوة الغاشمة الاحتلالية، ليس في العراق وحده، ولكن في كل البلاد التي يحكمها الأمريكان من خلال النخب. وكذلك فإذا كانت ألمانيا واليابان دولتين علمانيتين شبه كاملتين قبل الحرب العالمية الثانية؛ فإن الأمر لم يتضاعف بعد الحرب لأن العلمانية لم تتضاعف وكانت بالفعل جذورًا راسخة. أما في العراق والدول العربية؛ فإن الحال يختلف أيضًا على الرغم من سيطرة النخب المتغربة المعلمنة على مدى سنوات وعقود طويلة، لأن المجتمعات والبنى الفكرية والثقافية ظلت إسلامية وعربية، ومن هنا تصاعدت بشكل رئيس حدة الهجمة الأمريكية التغريبية العلمانية على الرغم من وجود تيار ديني متعصب صليبي يقود أمريكا، بل على العكس فإن وجود هذا التيار الصليبي الذي لا يؤمن بالعلمانية في تلك البلاد هو الذي دفعه إلى دعم وتحفيز وتصعيد العلمانية في العالم الإسلامي والعربي على سبيل الكيد للإسلام، وهذا هو الجديد في الهجمة العلمانية الجديدة المتصاعدة، ففي الماضي كانت الدول الأوروبية التي تفرض العلمانية على سبيل التحمس لمبدأ تؤمن هي به.
التيار الصليبي المتطرف
أما الآن فإن التيار الصليبي الحاكم صراحة وليس من وراء ستار أمريكا والصاعد وذا النفوذ في بريطانيا ودول أوروبية أخرى وبالذات في شرق أوروبا؛ يصعّد فرض العلمانية ومعها التغريب في العالم الإسلامي مدفوعًا بكل حقد الكيد للإسلام والرغبة في القضاء عليه..
هذه هي الخلفية التي يجب أن نقرأ عليها الرغبة الأمريكية المحمومة في تعديل بل تشويه مناهج التعليم في العراق قبل فعل أي شيء آخر في تلك البلاد.
إنها الحرب القديمة على الإسلام، لكنها الآن وفي ظل الحكم الصليبي السافر في أمريكا تأخذ شكلاً سافراً وحادًا وهستيريًا هي الأخرى، ومن الناحية الأخرى فإن حكاية الهجمة على النظام التعليمي بهدف تغريبه وعلمنته ليست جديدة ولنفس دوافع ضرب الإسلام لقد توصلت إليها الدول العربية في أواسط الثمانينيات تحت الشعار التونسي الشهير"تجفيف المنابع"، والذي عم جميع البلدان الأخرى، واتخذ شكل تأميم المساجد وفرض الخطب والدروس الدينية المعلمنة، وفرض الفتاوى وضرب الحركات الإسلامية بأبشع الوسائل وفرض القوانين الاستثنائية..
إن الهجمة التغريبية على نظام التعليم في العالم العربي ليست جديدة ولا مرتبطة بوصول الحكم الصليبي الحالي في أمريكا؛ فعلى مدى ما يقرب من العشرين عامًا سمعنا عن مراكز أمريكية لوضع المناهج في مدارس بلدان كبرى في العالم العربي، ومحيت الكتب الدينية أو كادت ومعها تدريس الدين، ووضعت مناهج علمانية سميت بـ"تدريس الأخلاق"كبديل عن الدين الإسلامي بالذات.
فضح العملاء