جمال سلطان 1/6/1424
ليس عيباً أن نعترف نحن الإسلاميين بمشكلات في وعي النهوض ووعي الصحوة الإسلامية الجديدة، وأن نعمل على تدارك الأمر، ولكن العيب؛ بل الخطر أن نتجاهل هذه المشكلات، أو أن نكابر في إنكار وجودها ونتغافل عنها، وعندما يتأمل الإنسان -خاصة المتابع- تطورات وتحولات الخبرة الإسلامية في السنوات الماضية؛ يرى هناك خللاً كبيراً في وعي الإسلاميين بمساحة التحدي الذي تواجهه الأمة والأولويات التي ينبغي أن يولوها الاعتبار، ومثل هذا الوعي المفقود بمساحة التحدي ومعها الأفق المستقبلي وما يمكن وصفه"بالبعد الاستراتيجي"لحركات وتيارات ضخمة تعمل لتأسيس بنية اجتماعية وحضارية جديدة للأمة، تنهض بها من كبوتها، وتحملها إلى ريادة البشرية من جديد، أقول: عندما غاب مثل هذا الوعي والإدراك؛ غابت معه بطبيعة الحال الآليات المنطقية التي يمكن أن يستخدمها الإسلاميون لتحقيق أهدافهم المشروعة والكبرى، ولذلك وقع الإسلاميون في سلسلة متتالية من تفريغ الجهد في الهدر أو الأعمال والأفكار ضعيفة الجدوى والعائد الدعوي والاجتماعي والسياسي، كما عرفوا صدامات ضخمة في مسيرة عطائهم، صحيح أن بعضها فرض عليهم؛ ولكن المؤكد -بأمانة كاملة- أن الكثير من هذه الصدامات قد اندفعوا فيها أو دُفعوا إليها بفعل غياب ما قدمنا، خاصة وأن غياب هذا الأفق يغيب معه أبعاد أخرى، مثل: التوازن النفسي في السلوك السياسي، وضبط الواقع الدعوي واهتماماته الفعلية والمستقبلية، والقدرة على تحليل مفردات هذا الواقع، ثم نسج منهجية العمل وفق هذا التحليل، ولذلك يفجع المرء كل حين بمواقف شديدة التناقض من الفصائل الإسلامية، حيث تجد بعضها بعد مسيرة طويلة من المواجهات والصدامات والمواقف الفكرية والفقهية الخطيرة؛ تعود -ليس فقط لتعديل أو تصويب بعضها- وإنما لنقض البنيان السابق برمته، والانتقال إلى نقيضه، وبزاوية شديدة الانفراج بمئة وثمانين درجة -كما يقول الرياضيون-، وهذا الأمر لا يعني سوى أمر واحد، هو العمل في ظل الوعي المستقبلي المفقود، وبناء الرؤى العملية والدعوية على الخيال أو العواطف وحدها والانكفاء على الذات ورؤية العالم الخارجي من خلال هذا الانكفاء الذاتي وليس من خلال ما هو عليه العالم في الواقع والحقيقة، حتى إذا ما ارتطم الرأس بالصخر واستفاق من الغفلة؛ وجد أن العالم غير العالم، والموقف غير الموقف، والطريق لم يكن هو الطريق، والنتيجة -في النهاية- كانت كارثة.
وإذا كان هذا الخلل يطول الوقوف معه إذا أردنا الاستقصاء فيه؛ إلا أننا في هذه الأسطر المحدودة لا يسعنا إلا أن نشير إلى بعض أطراف المشكلة، وبقراءة عفوية لم نقصد فيها الأهم؛ وإنما ما يرد على الخاطر، فعلى سبيل المثال: لم يول الإسلاميون الأهمية المناسبة إلى قيمة المؤسسات واستقلالها في بنية الدول والمجتمعات، وكان الاهتمام بالمواقف الفردية هو الأصل، أو القضايا ذات البعد الفردي والمباشر، في حين أن إصلاح المؤسسات هو الإصلاح الحقيقي الذي يؤسس لمستقبل أكثر إيجابية وأشمل أثراً وأكثر استقراراً، والمؤسسات أيا كان مجالها: سياسياً، أو اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو قضائياً، هي الضمانة الحقيقية لصلاح المجتمع وتحقيق التوازن فيه وإشاعة أجواء الحرية والتأسيس للعدل، وعندما غاب اهتمام الإسلاميين بهذا الجانب؛ فقد فقدوا أحد أهم الأدوار التي تنتظرها منهم أمتهم ومجتمعاتهم لتأسيس نهضة حقيقية، وكانت النتيجة أن غاب البعد المؤسسي عن حياة الأمة، أو تحول إلى مسخ مشوه وشكلي للتضليل أو لإبراء الذمة.