فهرس الكتاب

الصفحة 11365 من 27364

إن مؤسسة القضاء -على سبيل المثال- هي قوام الأمم والمجتمعات، وضمانة الحريات العامة الحقيقية، وضمانة العدل، وضمانة المستقبل أيضاً، لأن من يبني بناء أو يؤسس مشروعاً حتى لو كان اقتصادياً؛ فإن إحساسه بوجود قانون مستقل وقضاة مستقلين ومؤسسة قضاء قوية ومستقلة، هو الضمانة الأكيدة له لكي يؤسس مشروعاً للمستقبل، خاصة لو كان مشروعاً جاداً سينفق عليه من عمره وماله سنوات قبل أن يظهر ثماره، والمدهش أن المؤسسات الدولية الآن تشترط لتقديم المنح والقروض للدول أن يكون هناك ما تسميه"الإصلاح القضائي"في صدارة مطالبها، وأنا لا أذكر على الإطلاق أن كانت هناك معارك فكرية واجتماعية وإعلامية ذات شأن خاضها الإسلاميون من أجل الدفاع عن استقلالية القضاء ورجاله ومؤسساته، أو أن هناك مواقف فاصلة لتأسيس لبنية قضاء مستقل وجاد وراسخ، كان الذهن مشغولا بعاطفية الدعوة إلى"تطبيق الشريعة"وإحلالها محل القوانين الوضعية، وهذا مطلب جوهري لأية دعوة إسلامية، لكنه لا يستقيم أبداً إذا كان يقوم على خواء وأعمدة منهارة ومتآكلة؛ بل إن الشريعة الإسلامية إذا قامت على قضاء غير مستقل ومؤسسات غير محترمة فإنها ستكون كارثة ومسخاً مشوهاً لفكرة الشريعة وإساءة لها في النهاية وليست إعلاءً أو تكريماً، وكان من نتيجة ذلك التجاهل المباشرة أن دفع الإسلاميون في بلدان كثيرة ضريبة غياب هذه المؤسسة الخطيرة من أعمارهم وأرواحهم ودمائهم وأعراضهم الكثير، أما الخسائر غير المباشرة فهي أكثر من أن تحصى، بما في ذلك غياب الحريات العامة أو حتى انعدامها، ومن مثل الخراب الاقتصادي والفساد بلا حدود، ومن مثل تحطم معظم مشروعات التنمية إن لم يكن غياب خططها من حيث الأصل، وهذا كله مما يدفع ضريبته المجتمع بأسره وليس الإسلاميون وحدهم، لقد أهدر الإسلاميون -كما أهدر غيرهم- الكثير من الطاقات والجهود في معارك صغيرة، وأحيانا تافهة، وأحيانا أخرى وهمية وبلا أي أفق!، في حين أهملوا معركة فاصلة، مثل هذه المعركة التي أشرنا إليها.

على جانب آخر؛ أهمل الإسلاميون، واستخفواً كثيراً بالمؤسسة الإعلامية على اختلاف ألوانها وآلياتها، ونظروا إليها باستخفاف عجيب، وكان النظر إلى الصحافة أو التليفزيون محصوراً بين تصور أنها أوكار للماسونيين وشخصيات غامضة على صلات مشبوهة، وإما أنها من"الحواشي"التافهة في الحياة العامة التي لا قيمة لها، ولا يشتغل بها إلا التافهون وغير الجادين من الخلائق، هكذا كان التصور -وهو التصور الذي عايشناه ورأيناه جميعاً- حتى إذا ما دارت الأيام وتوالت الخبرات، واستنفذ الإسلاميون لياقتهم الذهنية والمالية والعملية في"النشاطات الكبيرة"في تصورهم؛ عادوا مؤخراً لكي يكتشفوا أنهم خسروا الكثير من معاركهم ومواقفهم أمام تيارات وشخصيات لا وزن لها اجتماعياً وشعبياً، ولكن وزنها الوحيد كان الثقل الإعلامي، واكتشفوا - متأخرين- أن الإعلام آلة جبارة، وأن الحدث الذي لا يولد إعلامياً لم يولد أصلا مهما كان فيه من تضحيات ووقائع جسام، ووجدوا أن برنامجاً تليفزيونياً واحداً يمكن أن يحدث من الدوامات الفكرية والسياسية مئات أضعاف ما تحدثه مجموع خطب الجمعة في دولة بكاملها، واكتشفوا - ضحى الغد- أن الإعلام الذي استخفوا بها هو ثاني القطبين اللذين تقوم بهما وعليهما الدول ونظم الحكم ، خاصة في عالمنا الثالث، ووجدوا في النهاية أن الكثير من المعارك التي خسروها كان الإعلام سبباً رئيساً في هذه الهزائم، وفي مصر على سبيل المثال لم يكن في نقابة الصحافيين المصريين أكثر من اثنين أو ثلاثة من عدة آلاف من المنتسبين إلى عضويتها، واليوم عندما تراجع كشوف أعضاء النقابة تجد أن الإسلاميين أصبحوا بالمئات، ولكن متوسط أعمارهم بين الثلاثين والأربعين، أي أنهم من الجيل الجديد الذي اكتشف - مؤخراً- قيمة الإعلام وخطورته، والمدهش أنه عندما أعلن مؤخراً في المملكة العربية السعودية عن تأسيس رابطة جديدة للصحافيين ستكون بلا شك الخطوة الأولى لتكوين نقابة الصحافيين، تفاجأ بأن أحداً من المنتسبين إلى التيار الإسلامي لم يتقدم للمشاركة في هذا العمل المهم، وكأن الأمر لا يعنيهم أصلاً!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت