فهرس الكتاب

الصفحة 8091 من 27364

الجامعة العربيّة وظاهرة القِمم

نايف ذوابه 11/2/1426

على طريقة الإنجليز في استباق الأحداث و ركوب الموجة؛ فإنهم بدهائهم المعهود، أدركوا بعد الحرب العالمية الثانية أن عهد الاستعمار القديم قد ولّى، وأن أمريكا -التي تحلّب ريقها على ثروات الشرق بعد دخولها الحرب العالميّة الثانية- قد دخلت منافسًا خطيرًا لهم بما تملك من إمكانيات اقتصاديّة وعسكريّة هائلة، فضلاً عن الدعاية القويّة التي دخلت بها على المستعمرات البريطانيّة والفرنسيّة، ومنها: حقّ الشعوب في تقرير المصير، والحريّة، وحقوق الإنسان، وأمريكا بلد الازدهار والرفاهية؛ بمعنى أن أمريكا أصبحت قبلة لمن ينشدون الحرية والتقدّم والازدهار والتحرّر من الاستعمار!!

لهذا رأت إدارة المستعمرات البريطانية ومعها وزارة الخارجية توظيف نضال العرب الوحدوي لصالحها، مستفيدة من وجودها في كل من مصر وسوريا وفلسطين والعراق والأردن والخليج العربي، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنها تريد أن تحرف مسيرة الوحدة عن مسارها الصحيح، لا سيما أنه كان هناك في العالمين العربي والإسلامي من لا يزال يتحرق أسفاً على زوال دولة الخلافة الإسلامية ( الدولة العثمانيّة) ، ويفكّر في إعادتها في أماكن أخرى غير تركيا، ومن يرجع لقصيدة شوقي في رثاء الخلافة بعد أن هدمها مصطفى كمال أتاتورك، يدرك أي حزن جاشت به نفوسهم على ضياعها، ويدرك عمق الرابطة التي كانت تربط المسلمين بدولتهم، ويدرك أي إخلاص كان المسلمون يخلصون فيه لرمز وحدتهم، ومناط عزتهم، والتي أصبحوا بغيابها كالأيتام على مآدب اللئام؛ رغم أنها كانت في حالة احتضار، ولم تكن المثل الأعلى لما ينبغي أن تكون عليه دولة الخلافة الإسلاميّة قوّة وهيبة ووعيًا ونقاءً والتزامًا صحيحًا بالإسلام؛ لكنها -على أية حال- كانت كالأسد المهيب الرابض في عرينه الذي يعيش على ذكرياته المهيبة، وكان أعداؤها يخشون غضبة المسلمين إذا مُسّت خلافتهم، كما أن ذكرياتها المهيبة في نفوس أعدائها كانت تحول دون هدمها والقضاء عليها؛ فهي الدولة التي وقف جنودها على أسوار فينّا عاصمة النمسا؛ فضلاً عن أن الموقف الدولي لم يكن يسمح بزوالها نتيجة الصراع المرير بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي، وقد استفادت دولة الخلافة العثمانيّة من هذا التوازن في الموقف الدوليّ، مما حافظ على وجودها وحال دون غيابها.

ولقد ناضلت الدولة العثمانية نضالاً شرسًا ومشرّفًا للحفاظ على فلسطين، وكلمات خليفة المسلمين عبد الحميد- رحمه الله - ما زالت تدوّي في سماء فلسطين بعد أن ألحّ عليه زعماء اليهود ليمنحهم وطنًا قوميًّا فيها؛ ورغم كل المحن التي كانت تمر بها الدولة العثمانيّة، ورغم الديون التي كانت تثقل كاهلها، فإنه أبى"هذه الأرض ليست ملكي؛ إنها أرض آبائي و أجدادي، ولعمل المبضع في جسدي أهون عليّ من أن أتنازل عن شبر واحد من أرض المسلمين!!"

في هذه الأجواء وُلدت جامعة الدول العربية؛ إذ حاولت بريطانيا إيقاف تقهقرها أمام الزحف الأمريكي في المنطقة، والاحتفاظ بما أمكن من نفوذها فيها؛ لذا أعلن أنطوني إيدن وزير خارجيّة بريطانيا في أيار مايو1941م ما يلي:

"يسعى العديد من المفكرين العرب إلى تحقيق درجة أكبر من الوحدة بين الشعوب العربيّة عما هو متحقّق حتى الآن، وهم في تطلعهم إلى الوحدة العربيّة يأملون الحصول على دعمنا، ويصعب ألاّ نستجيب لمطلب أصدقائنا، ويبدو أنه من الطبيعي والصحيح العمل على تقوية الروابط الثقافيّة والاقتصاديّة بين البلاد العربيّة فضلاً عن الروابط السياسيّة، وإن حكومة جلالته سوف تقدّم من جانبها كلّ تعضيد من هذا القبيل يلقى تأييد الرأي العام العربيّ".

وهكذا وُلدت فكرة جامعة الدول العربيّة بفكرة بريطانيّة خبيثة، وبريطانيا نفسها هي التي مزّقت أوصال المسلمين، وقطّعتهم إربًا إربًا، وأشرفت على إنشاء جيوش تحرس الحدود المصطنعة التي أقامها المستعمر الكافر، وتحميها، وأصبح كل من يحمل فكر الوحدة متّهماً، وأصبح طريدًا تتقاذفه الحدود الوهميّة، ومطلوبًا لدى الأجهزة الأمنيّة التي كانت أكثر قسوة عليه من الاستعمار نفسه!!

وفرضت القوى الأجنبيّة على كل دولة علمًا، وجعلت لها نشيدًا وطنيًا، وأشارت على وكلائها بأن يحفظ التلاميذ هذا النشيد، مع أنه رمز فرقتهم، ودليل هوانهم، وسمٌّ يجري في عقيدتهم وأفكارهم!!

وهكذا كان تصريح"إيدن"يهدف إلى تكريس التجزئة تحت شعار الوحدة، وكانت الفكرة الإنجليزيّة الخبيثة في حقيقتها قطعًا للطريق على الوحدة الحقيقيّة!!

وكانت الجامعة العربيّة جزءًا من المؤسسة الرسميّة العربيّة، لا مؤسسة شعبيّة, ولا تجسّد طموحات الشعوب؛ لأنها وُلدت من رحم النظام العربي الرسمي، وكانت في خدمته، واعترفت في ميثاقها بواقع التجزئة، وحافظت عليها، ووفّرت شرعيّة لها، كما وفرت شرعيّة - في أحيان أخرى- للتدخل الأجنبي في البلاد العربيّة، وبمعنى آخر كانت الجامعة العربيّة ضرورة من ضرورات النظام الرسمي الدولي وفي خدمته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت