فهرس الكتاب

الصفحة 9474 من 27364

أحمد عبد الله سيف الرفاعي

عندما نقارن بين المخاطر التي تشكلها الحروب التي يشنها الأعداء ضد المسلمين، وبين المخاطر التي يشكلها الغزو الفكري الثقافي عليهم؛ فإننا نذهب إلى أن النوع الثاني أشد تدميراً، وأكثر ضراوة، وأعمق تأثيراً من النوع الأول، أي أنه يُخشى على المسلمين من التدمير الفكري الثقافي أكثر من أن يُسحقوا مادياً تحت وطأة الجيوش والأسلحة، هذا فضلاً عن أن المسلمين يخرجون من حروبهم مع أعدائهم أشد عزماً، وأقرب رجوعاً لدينهم وتمسكاً به، وفيما يلي نتعرض لأحد معاول الهدم الخبيثة التي تحاول دائماً النيل من الإسلام ومن المسلمين، ألا وهو التنصير:

أولاً: لماذا هدفهم الإسلام؟!

يستهدف المنصّرون الإسلام - قبل أي دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله أنه لم يغلبهم إلا هذا الدين، يوم كان يحكم الحياة، وأنهم غالَبوا أهله طالما لم يُحكِّمه أهله في حياتهم.

ولقد عَدَلَ النصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام، أو الاصطدام بالمسلمين؛ لأن الغلبة في النهاية تكون من نصيب المسلمين، فالأمة الإسلامية قد تمرض ولكنها لا تموت، وتغفو ولكنها لا تنام، والمسلمون قد يهزمون ولكنهم لا يبادون أو يسحقون، ومهما كانت الحروب معهم - أعني المسلمين - سجالاً؛ فالغلبة لهم في النهاية متى جعلوا نصرة الله نصب أعينهم، وهدفهم المنشود، وما أن يُخلِص المسلمون في عودتهم إلى دينهم حتى يصبحوا قوة لا تقهر، ولقد عرف النصارى الصليبيون هذه الحقيقة، وأكدها لهم لويس التاسع ملك فرنسا بعد أن هزمه المسلمون شر هزيمة، وأسروه في موقعة المنصورة بمصر، ثم خرج صاغراً من أسره، وكتب وصيته الشهيرة - والتي عُرفت بوصية القديس لويس - ليؤكد فيها أن المسلمين لا تهزمهم الجيوش مهما كانت، وعلى الغرب الصليبي أن يتخلى عن استخدام أسلوب الحروب المادية، وأن يستبدلها بالحروب الثقافية الفكرية، وكانت وصيته تلك بمثابة إعلان عن أن الصراع بين المسلمين والنصارى بدأ يأخذ شكلاً جديداً، فاستُبدلت الحروب المادية بأخرى فكرية ثقافية، وإن لم يخلُ الأمر من صِدام مادي، وقتال دموي على طول محطات التاريخ.

ثانياً: أهداف التنصير:

يسعى المخطط التنصيري إلى تحقيق مجموعة من الأهداف في البلاد الإسلامية، فالمنصِّرون يعتبرون الإسلام هو الدين الوحيد الخطر عليهم، فهم لا يخشون البوذية، ولا الهندوسية، ولا اليهودية، إذ إنها جميعاً ديانات قومية لا تريد الامتداد خارج أقوامها وأهلها، وهي في الوقت نفسه أقل من النصرانية رقيّاً، أما الإسلام فهو - كما يسمونه - دين متحرك زاحف يمتد بنفسه، وبلا أية قوة تساعده، وهذا هو الخطر فيه - كما يقولون -، ومن هنا نجد أن للتنصير أهدافاً متنوعة، منها ما هو تقليدي، ومنها ما هو غير تقليدي، ومن هذه الأهداف ما هو ظاهر جليّ، ومنها ما هو باطني خفيّ، بل إن للتنصير أهدافاً بالغة الخطورة على الإسلام وعلى المسلمين، ورغم ذلك يكاد أن لا يشعر بها أحدٌ من المسلمين، ويمكن تركيز أهداف التنصير في ثلاثة أهداف متدرجة كما يلي:

1.إخراج المسلمين من الإسلام: والتشكيك فيه، وفي سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتزييف مفاهيمه، وهدم عقيدته، يقول زويمر - أحد أقطاب التنصير:"إن مهمة التنصير ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية (النصرانية) ، فإن هذه هداية لهم وتكريم، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله"، وصدق الله إذ يقول: (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) ) (البقرة 109) .

2.الحيلولة دون انتشار الإسلام: فالمنصّرون يشنون هجومهم على الإسلام خوفاً على قومهم من معرفته أكثر من رغبتهم في تنصير المسلمين، فهم يخافون الإسلام، ويرددون دائماً أنه الدين الوحيد الخطر عليهم، ويفضل الغرب أن يظل يُنعت بالنصرانية على الرغم من علمانيته وإلحاده، وعلى الرغم من تهميشه للكنيسة هناك، ويأتي تبشير الغرب بالنصرانية - أو ما نسميه نحن بالتنصير - مسوغاً اصطنعه ليواجه التوسع الإسلامي، وليضفي الشرعية على هذه المواجهة، ويتقاسم مع التوسع الإسلامي أسس الهداية والإيمان، وكثيراً ما يتَّهم الغربُ الإسلام - كذباً وزوراً - بأنه انتشر بالسيف، ليجعل من ذلك مسوغاً لاستخدام السيف هو الآخر، فهو في الحقيقة لا يصف التوسع الإسلامي بقدر ما يبحث عن شرعية ضرب الشعوب بالسيف تحت ستار التبشير أو التنصير، والواقع - كما يرى الغرب - أن حالات دخول الإسلام أكثر عدداً من حالات التنصر من غير مراكز تنصيرية، ومن غير ضرب الشعوب بالسيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت