ويجدر بنا أن ننبه على أن هدف التنصير يختلف من منطقة إلى أخرى، ففي البلاد العربية يكتفي بزعزعة عقيدة المسلم، وإخراجه من الإسلام، وليس مهماً أن يدخل النصرانية، أما خارج البلاد العربية فيتم تنصير المسلمين فعلاً، وليس معنى هذا أن البلاد العربية ذات حصانة ضد التنصير، فقد وقع فيها أعمال للتنصير آتت أكلها الخبيثة في أحيان كثيرة، وتنصَّر بعضٌ من الناس بالفعل في تلك البلدان، ولكن كان التنصير أكثر وقعاً في البلدان الإسلامية الأخرى.
3.التمهيد لإخضاع العالم الإسلامي سياسياً واقتصادياً وثقافياً لسيطرة النفوذ الغربي: وتهيئة الأجواء لقبول ما يسمى بـ"العولمة"أو"الكوكبة"، وما يتبع هذا النظام من توحيد الأيديولوجية السياسية العالمية، وإقامة هيكل اقتصادي جديد، وبث قيم اجتماعية عصرية، وإزالة الحواجز الثقافية، وتذويب الفروق بين المجتمعات الإنسانية المختلفة انتهاءاً برعاية الحوارات الدينية والثقافية، بل والدعوة إلى ما يشبه الدين العالمي، إلى غير ذلك من شعارات وأهداف براقة ينخدع بها الكثيرون، فإن ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها فيه الخسران، إذ هي في حقيقتها تسعى لحصار المسلمين، وفرض التبعية الغربية عليهم، وإقامة آليات السيطرة حولهم، واختراق الحضارة والهوية الإسلامية، خاصة بعد أن غَيّر الغرب من أساليب السيطرة العسكرية التقليدية، واستبدالها بأساليب حديثة تعطي النتائج نفسها (راجع مقالة"العولمة: حلقة في تطور آليات السيطرة"خالد أبو الفتوح..مجلة البيان العدد 136) .
أترون أن التنصير والقائمين عليه سيقفون مكتوفي الأيدي أمام هذه المتغيرات الدولية؟
لا .. فإنهم سيكدُّون لتحقيق أهدافهم تحت مظلة تلك المتغيرات التي يعتبرونها فرصة ثمينة وسانحة لبلوغ مآربهم.
إن الزمان قد دار دورته، وما اليوم من الأمس ببعيد، فهاهم أُولاء المنصرون يجدون تحت مظلة العولمة فرصة لدعم التنصير ونشر النصرانية كما فعلوا قديماً تحت رعاية الاستعمار العسكري الأوروبي، ومن قبله الحروب الصليبية، ثم يخرج علينا من يقول: إن الحروب الصليبية قد انتهت.
لا وألف لا، ما انتهت، راقبوا أعمال التنصير الدؤوبة في ديار الإسلام فسترونها جهاراً نهاراً، بدون بندقية ولا مدفع إلا نادراً.
ثالثاً: وسائل التنصير.. بين القديم والجديد:
لقد أخذت أعمال التنصير في السنوات الأخيرة أشكالاً جديدة، واخترع المنصرون وسائل حديثة لتنصير المسلمين أكثر خفاءاً، وأعمق تأثيراً، وأشد مكراً وخداعاً من الوسائل"التقليدية"المعهودة، وبذلوا لذلك جهودهم لاستحداث وسائل جديدة للتنصير، مما لا يجعل من المبالغة أن أقول: إن المنصّرين استفتحوا على المسلمين كل باب، وأتوهم من طرق شتى تكاد لا تخطر على المسلمين ببال، سواء كانت طرقاً ذات طابع سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، أو ثقافي.. أو غير ذلك.
وأصبح التنصير اليوم يتكئ على هذه الوسائل الحديثة فضلاً عن القديمة، وفيما يلي نسلط الأضواء على وسائل التنصير بنوعيها مع ذكر بعض النماذج والأمثلة:
-استغلال الكوارث الطبيعية، والحروب الأهلية: وما ينتج عنها من دمار وخراب، وأوضاع مأساوية في أغراض التنصير، فضلاً عن أوضاع المسلمين المأساوية من أيتام وأرامل، وما يحتاجون إليه من طعام وكسوة ومسكن، بالإضافة إلى التعليم والعلاج؛ مما يجعلهم فريسة سائغة لاستغلال المنصرين، الذين يتظاهرون بمواساتهم مادياً ومعنوياً، ويدّعون الاهتمام بهم صحياً وتعليمياً، وصولاً إلى اكتساب قلوب هؤلاء المسلمين البسطاء، ومن ثم السيطرة على عقولهم، وإقناعهم بأن في النصرانية خلاصهم من عذاب الآخرة، وفقر الدنيا، ويشترط هؤلاء المنصرون على أولئك المسلمين الذهاب إلى الكنيسة لأداء قداس الأحد مثلاً، أو يشترطون عليهم عدم المشاركة في الأنشطة الإسلامية نظير خدماتهم تلك.
لقد بلغت تقديرات نسبة اللاجئين المسلمين 80% من مجموع اللاجئين في العالم كله، لجؤوا إلى بلدان أخرى لأسباب عديدة منها: الحروب، والكوارث، وبطش الحكومات والأنظمة المعادية للإسلام، أو خوفاً من الاضطهاد الديني والسياسي العرقي، ويعاني هؤلاء اللاجئون من تشتت الأسر، وفقدان مقومات الحياة الأساسية، ولذلك فإنهم يمثلون مجالاً واسعاً، وتربة خصبة لعمل الجمعيات والمنظمات التنصيرية، وفيما يلي بعض هذه الأمثلة:
بعد الحرب الأهلية في سيراليون عام 1996م والتي قُتل فيها أكثر من عشرة آلاف شخص، وتسببت في نزوح مليون ونصف مليون شخص من منازلهم، قال"كرسبين كول"أحد قادة منظمة الإغاثة Wo r ld r eleif Co r po r ation:"إن الأبواب مفتوحة أمامنا لتنصير هؤلاء المسلمين".
منظمة"الرؤيا العالمية"التي لها نشاط في أكثر من 80 دولة، وتشرف على 86 ألف لاجئ مسلم صومالي، توفر لهم الدواء والكساء والتعليم، وتدعوهم إلى النصرانية، علماً بأن نسبة المسلمين في الصومال 100%، وفي الصومال أيضاً كان الهدف الحقيقي للمشروع الألماني الوطني لمحاربة أمراض العمى هو نشر النصرانية، والدعوة لها، وهذا ما اعترف به مسؤول المشروع د. جي ميشيل بعد إسلامه.