فهرس الكتاب

الصفحة 17633 من 27364

كازاخستان والبحث عن هُوِيّة

عبد الرحمن أبو عوف 22/7/1427

كازاخستان إحدى أهم وأكبر جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وإحدى أكبر عشر دول في العالم من حيث المساحة الجغرافية، ويبلغ عدد سكانها (26) مليوناً، وأكثر من 70% منهم مسلمون، أغلبهم سنة، مع وجود أقلية شيعية..ويُعدّ الروس القومية الثانية في الدولة، مع بعض الأقليات الأخرى، مثل التترية والكورية.

وتقع كازاخستان في وسط القارة الآسيوية، ويحدها جمهوريتا أوزبكستان وقيرقيزيا جنوباً، وجمهورية روسيا الاتحادية شمالاً، والصين شرقاً، وقد حبا الله هذه الدولة العملاقة بالعديد من الثروات الطبيعية والاقتصادية؛ إذ تُعدّ أحد أهم منتجي القمح في العالم، وكذلك الصوف.

لا يختلف الأمر بالنسبة للنفط والغاز؛ إذ تلعب هذه الدولة العضو في منظمة المؤتمر الإسلامى دوراً هاماً في سوق النفط الدولية، فضلاً عن امتلاكها لأنواع كثيرة من المعادن، كالرصاص والزنك، وهو ما أعطى دفعة كبيرة لوجود قاعدة صناعية متميزة في البلاد.

وبقدر ما كانت هذه الثروات مصدر نعمة لهذا الشعب، بقدر ما تحوّلت إلى نقمة؛ فقد أسالت هذه الثروة لعاب الشيوعية الحمراء وقادتها في موسكو، وقاموا بأكبر عملية تهجير للأغلبية المسلمة من أراضيهم، بحجة أن تعميرها جزء من السياسة السوفيتية، وأحلّت بدلاً منهم أعداداً كبيرة من الروس والأوكرانيين.

ولم تكتفِ الشيوعية بذلك، بل إنها حوّلت كازاخستان إلى محطة وميدان للتجارب النووية التي كانت تقوم بها الدولة السوفيتية، وكان لهذه التجارب أثر سيئ على هذا الشعب المسلم، لدرجة أن إحصاءات الأمم المتحدة ذكرت أن (100) ألف كازاخي قد لقوا مصرعهم من جرّاء هذه التجارب، بالإضافة إلى وفاة أكثر من (29) ألفاً من أطفال كازاخستان قبل أن يُولدوا، وارتفاع نسبة الأمراض النفسية، وانتشار أمراض السرطان بمختلف أنواعها بين أبناء هذا الشعب المسلم بسبب الإشعاعات الناتجة عن التجارب النووية في عهد الاتحاد السوفيتي السابق.

وتزداد مأساة هذا الشعب عندما نعلم أن هذه الأوضاع لم تتغير كثيراً بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي عام 1991، خصوصاً إذا علمنا أن الشيوعيين السابقين استمروا في السيطرة على السلطة بزعامة نور سلطان نزار باييف رئيس البلاد الحالي، صحيح أن رؤوس علماء المسلمين لم تُقطع كما كان يحدث أيام الشيوعية، ولم تعد المساجد تُغلق وتُحاصر، لكن التضييق على الأنشطة الإسلامية استمر، وإن كان بشكل غير سافر.

الحنين إلى الإسلام

ولكي تواجه الدولة حالة الحنين إلى الجذور الإسلامية لدى غالبية الشعب لجأت إلى عدة خطوات رمزية، مثل: إعادة فتح المساجد، وترمميها، ودعم رغبة آلاف الكازاخيين لحج بيت الله الحرام، وإرسال مئات من الطلاب للدراسة في الجامعات الإسلامية في مصر والسعودية وتركيا لإعداد الدعاة إلى الإسلام.

بالإضافة إلى إحياء الشعائر الإسلامية، وإعادة الاعتبار لبعض علماء المسلمين الذين اضطهدتم الشيوعية الحمراء، وهي كلها خطوات أرادت بها السلطات الشيوعية تخفيف حالة الاحتقان والسخط بين المسلمين.

غير أن هذا الوهم لم يستمر كثيراً؛ إذ رفض نزار باييف الاعتراف بوجود دور للإسلام في إدارة الدولة، بل وصرح كثيراً أن العلمانية التركية هي أفضل الخيارات أمام الشعب الكازاخي، وأصبح يعزف على وتر خوف الكازاخيين من الإسلام الأصولي القادم من أفغانستان وطاجيكستان وأوزبكستان؛ لتسويغ خطواته، والتي بدأها برفض إنشاء أي أحزاب إسلامية، حتى ولو كانت معتدلة ترفض اللجوء إلى السلاح لتغير أنظمة الحكم في دولتها، وعلى رأس هذه الأحزاب حزب (ألاشى) الذي رفضت السلطات الاعتراف به كونه حزباً إسلامياً.

وبعد رفض هذا الحزب اتخذ نزار باييف عدة قرارات تعكس رغبته في إخضاع مراكز التدين في كازاخستان جاء في مقدمتها انفصال البلاد عن الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطي ومقرها طشقند في أوزبكستان، وتأسيس دار إفتاء جديدة تحت راية مفتي جديد، منهياً بذلك السيطرة الأوزبكية التاريخية على شؤون مسلمي كازاخستان من عام 1942، فضلاً عن قراره بإنشاء المعهد العالي الاسلامي لتدريب وإعداد الدعاة الكازاخيين.

حملات اعتقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت