فهرس الكتاب

الصفحة 11825 من 27364

ياسر الزعاترة 10/2/1426

حين نستعيد موجة التطبيع التي أعقبت اتفاق أوسلو عام 1993، فلا بد أن نتذكر ذلك الجدل الذي ثار بين فريقين عربيين (كلاهما رسمي بالطبع) ؛ يرى الأول أن التطبيع مع الدولة العبرية يشجع قادتها على التنازل في تفاصيل المفاوضات، فيما يرى الآخر ضرورة ربط التقدم في عمليات التطبيع بالتقدم على صعيد المفاوضات، ليس على المسار الفلسطيني فحسب، بل والسوري أيضاً.

من الواضح أن أصحاب الرؤية الثانية لم يكونوا معنيين بتشجيع عمليات التطبيع المبالغ فيها مع الطرف الإسرائيلي، أكان قبل المفاوضات أم بعدها، وقد حدث ذلك بعدما أدركوا أن المشروع الإسرائيلي لا يقوم على تسوية عادية بين عدويين، بل ينطوي على أحلام عريضة بالهيمنة على المنطقة برمتها وتهميش الكبار فيها وعلى رأسهم مصر، كمقدمة للتلاعب بأوضاع الجميع، كباراً وصغارا.

لكن قصة ربط التطبيع بتقدم عمليات التفاوض كان حلاً معقولاً لعدم الظهور بمظهر العداء لعملية السلام، لاسيما بالنسبة لمصر؛ الدولة الأولى التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية، فيما حرصت بعد ذلك على عمليات تطبيع بارد، ليس فقط بقرار شعبي، بل بقرار وتوجه رسمي أيضاً.

والحال أن من تبنوا هذا الطرح، والذين تمثلوا بالثلاثي العربي (مصر، السعودية، سوريا) ، بل وربما أكثر المتشائمين بمستقبل التسوية في الأوساط الرسمية العربية لم يتوقعوا أن تنتهي المفاوضات بتلك النهاية التي تابعها العالم في قمة كامب ديفيد، صيف العام 2000، ويوم تبين أن ما يعرضه الإسرائيليون هو من الهزال بحيث يستحيل على أي زعيم فلسطيني أن يقبله، فضلاً عن أن يجري تمريره من قبل الدول العربية المعنية مباشرة بالصراع ومستقبله.

هكذا فشلت اللعبة، وما هي سوى ثلاثة شهور حتى اندلعت انتفاضة الأقصى، وبالطبع بعد خمسة شهور على انتصار الجنوب اللبناني الذي كان لاستمرار المقاومة فيه دوراً بارزاً في إفشال عمليات التطبيع ونشوء مقاومة واسعة لها في الأوساط الشعبية. لم تمض أسابيع، وربما شهور قليلة حتى كان هرم التطبيع يهوي ويتحول إلى هباء منثور، ليس على الصعيد الشعبي فقط، وإنما على الصعيد الرسمي بفعل قوة الضغط الشعبية، ومستوى التفاعل غير المسبوق مع المقاومة الفلسطينية الباسلة.

على أن ذلك لا يقلل بحال من قيمة الاختراقات الإسرائيلية التي تحققت خلال السبع العجاف التي امتدت ما بين توقيع أوسلو وقمة كامب ديفيد، وهي اختراقات وقعت رغم المجهود الرسمي المناهض لذلك و الذي تبنى النظرية التي أشرنا إليها (ربط التطبيع بالمفاوضات) .

في قراءة ما جرى وتبعاً لعودة جدل التطبيع من جديد، فإن بالإمكان القول إن نظرية التشجيع- تشجيع الإسرائيليين بالطبع-من خلال التطبيع قد فشلت، فقد حصل التطبيع في المرحلة السابقة، لكنه لم يشجع الإسرائيليين على التنازل، مع أن الطرف الفلسطيني والعربي قد تنازل لهم عن 78% من فلسطين بطولها وعرضها، كما أعلن نوايا واضحة لإيجاد حل لمشكلة اللاجئين بعيداً عن التجسيد الفعلي لحق العودة إلى الأراضي المحتلة عام 48.

أما حكاية الطمأنة، طمأنة الإسرائيليين على مستوى قبولهم من قبل المجتمع العربي، فلا تبدو مقنعة هي الأخرى، لسبب بسيط هو أن الدولة العبرية لا تشعر في واقع الحال بالخوف من أحد سوى الفلسطينيين أنفسهم، ومن أعادها إلى مخاوف التهديد الوجودي هم الفلسطينيون وليس العرب، لاسيما الطرف الرسمي من بينهم، ذلك الذي لم يقدم الكثير على صعيد دعم المقاومة، بل إن بعضهم قد وقف مواقف معاكسة يعرف المعنيون حيثياتها.

من هنا يمكن القول إن تبني النظرية الأخرى القائمة على ربط التطبيع بالمفاوضات يظل أسلم بكثير من فتح باب الهرولة على نحو مجاني، أكان خضوعاً للضغوط وتقرباً من السيد الأمريكي، أم فراراً من قصة الإصلاح التي تحولت إلى وسيلة الابتزاز الأهم في يد المحافظين الجدد، وبالطبع لحساب الدولة العبرية.

لعل ذلك هو ما دفع من صاغوا خريطة الطريق إلى التأكيد على هذا البعد، حيث نص بند في المرحلة الثانية (مرحلة الدولة المؤقتة) على أن"تستعيد الدول العربية مع إسرائيل ما كان لها من روابط قبل الانتفاضة".

هل سنشهد تبعاً لذلك موجة تطبيع أكثر سخونة من تلك التي تابعناها في المرة الماضية؟ من المؤسف أن ذلك هو ما يلوح في الأفق، ودعوة شارون إلى تونس هي المقدمة، فيما يبدو جدل قمة الجزائر إرهاصاً آخر، الأمر الذي يستدعي تحركاً شعبياً لمواجهة الموقف قبل استفحال الظاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت