بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
عندي سؤال، وهو أنَّ اثنين من أشقَّائي كافران ملحدان، أحدهما يتبجَّح بإلحاده ويسخر من الإسلام والمسلمين وهو كثير الجدال والنقاش، والثاني أكثر هدوءاً منه، ومع أنَّه كثير الجدال والنقاش أيضا، إلا أنَّه يرى أنَّ على الجميع احترام آراء الآخرين، ويجب أن يسود جوُّ الحبِّ والتفاهم والوئام بين الجميع رغم اختلاف الأفكار.
أبي وأمِّي وجميع الأقارب تقريباً لا يرون بأساً في هذا الأمر، ويقولون: إنَّ اختلاف الرأي لا يفسد للودِّ قضيَّة!
لكنَّني حذِرٌ من هذه القضيَّة لالتزامي بشرع الله وتقيُّدي بأحكامه، وأودُّ أن أعلم كيف أتعامل معهما خاصَّةً في أمور المجاملات والسهرات العائليَّة التي تتَّسم بقول النكات والضحك والمرح، مع العلم أنَّنا نسكن تحت سقفٍ واحد.
أرجو أخذ هذه الرسالة بعين الجديَّة والإجابة عنها بالتفصيل المدعوم بالأدلَّة من القرآن الكريم والسنَّة الشريفة، وسيرة الأعلام من الصحابة والتابعين.…السؤال
الدعوة الفردية, آداب وأخلاق, ثقافة ومعارف, العائلة …الموضوع
فريق الاستشارات الدعوية…المستشار
……الحل …
…يقول د. محمَّد منصور من فريق الاستشارات:
أخي الكريم، عليك أوَّلاً أن تتحرَّى الدقَّة في تحديد موقف أخويك من الإسلام، وهل هما من الكفَّار أم أنَّك قد تسرَّعت في الحكم عليهما؟.
لقد حذَّرنا الإسلام تحذيراً شديداً من رمي أيِّ إنسانٍ بالكفر، حتى ولو أتى بالكبائر، نعم هو من العصاة، لكنَّه ما زال من المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم"أيَّما رجلٍ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"رواه البخاري، ولذا اجتهد العلماء في فهم حديث الرسو صلى الله عليه وسلم هذا، فوصلوا إلى الشروط الآتية لكي يُطْلَق على شخصٍ ما أنَّه كافر:
1-أن يقول صراحةً أنَّه كافر.
2-أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً لا يحتمل تأويلاً إلا الكفر، كمن يضع المصحف تحت قدمه مثلا.
3-أن يُنْكِر معلوماً من الدين بالضرورة، أي ينكر أساسيَّات الإسلام التي يجب أن يعلمها كلُّ من أراد الدخول فيه ليكون مسلما، كمن ينكر مثلاً فرضيَّة الصلاة أو الصوم، أو يستحلَّ الخمر والزنا والسرقة أو نحو ذلك، دون شبهة تأويلٍ أو تفسير.
أمَّا ما عدا هذه الشروط، فالحذر كلَّ الحذر من تأويل أفعال النَّاس وأقوالهم من أجل تكفيرهم، وإلا أثِم من فعل ذلك إثماً عظيماً بموجب الحديث السابق، فالمسلمون مطالبون بأن يأخذوا من النَّاس ظاهر أقوالهم وأفعالهم، أمَّا قلوبهم ونواياهم فليسوا مطالبين بالتحقُّق منها، فهي متروكةٌ لخالقهم سبحانه الذي يعلم السرَّ وأخفى، لأنَّ تأويل السرائر قد يخطئ وقد يصيب، وضرره على الأفراد والمجتمع كبير، ويدلُّ على ذلك القصَّة المشهورة التي قَتل فيها أسامة بن زيد رضي الله عنه في إحدى الغزوات رجلاً من الكفَّار' فيما رواه الإمام مسلم عن أسامة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول ا صلى الله عليه وسلم في سريَّة، فصبَّحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبيِّ r، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟"قال: قلت: يا رسول الله، إنَّما قالها خوفاً من السلاح، قال:"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟"، فما زال يكرِّرها عليَّ حتى تمنَّيت أنِّي أسلمت يومئذ.
إنَّ المسلمين -أخي الحبيب- يجب أن يكونوا دُعاةً لا قُضاة، فالواجب عليهم الذي يثابون إذا فعلوه ويأثمون إذا لم يفعلوه هو توصيل دعوة الله تعالى للنَّاس، وهذا الذي يفيدهم ويفيد المجتمع حولهم حين يسعدون بتطبيق الإسلام في كلِّ شؤون حياتهم، ولكن ما الفائدة التي تعود عليهم أو على الداعي أو على المجتمع كلِّه حين يُنَصِّب الداعي نفسه قاضياً عليهم، يحكم على هذا بالكفر وعلى ذاك بالإلحاد؟!!.
وللإمام مالك رحمه الله قولٌ طيِّبٌ في هذا الأمر، قال:"من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعةٍ وتسعين وجهاً ويحتمل الإيمان من وجه، حُمِل أمره على الإيمان".
أخي الكريم،
إنَّنا نعتقد أنَّ عليك معاملة أخويك بطريقةٍ هدفها الأخذ بأيديهما إلى طريق الله، والعودة لنظام الإسلام، لا تيئيسهما وإبعادهما أكثر؛ ولذا فمعاملتهما تعتمد على الأسس الآتية:
1-الرفق بهما:
كما أمر سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام أن يفعلا مع أشدِّ الكفار طغيانا: فرعون، حيث أوصاهما:"فَقُولا له قولاً ليِّنا لعلَّه يتذكَّر أو يخشى"، فإذا كان اللين والرفق مع مَن مثل فرعون، فمن باب أولى يكون مع الذي لم يصل بعد إلى مرحلته.
وقد قال صلى الله عليه وسلم"إنَّ الرِّفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه"رواه مسلم.
2-خدمتهما ومشاركتهما في أحزانهما وأفراحهما والصبر عليهما:
كما قال صلى الله عليه وسلم"المؤمن الذي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط النَّاس ولا يصبر على آذاهم"رواه ابن ماجه بسندٍ صحيح.