فهرس الكتاب

الصفحة 18076 من 27364

فإن صدرت منهما المعاصي تُنكرها بقلبك أوَّلا، فإن كانت ظروفهما النفسيَّة والظروف المحيطة بهما تسمح بالكلام معهما، وتذكيرهما بالله تعالى، وضرر المعصية عليهما في الدنيا وفي الآخرة، وكانت عندك المقدرة على ذلك -العلميَّة والكلاميَّة وغيرهما- وغلب على ظنِّك أنَّ كلامك سيأتي بنتائجٍ طيِّبةٍ وجب عليك الكلام برفقٍ ولينٍ وأدبٍ وإشفاقٍ عليهم، أمَّا إن غلب على ظنِّك أنَّ كلامك لن يأتي بنتيجةٍ إيجابيَّة -وهذا أمرٌ مستبعدٌ إذ فطرة كلِّ إنسانٍ أنَّه يفكِّر فيما يسمع ولو بعد حين- فيُستحَبُّ لك الكلام، ولكن إن غلب على ظنِّك أنَّ كلامك سيأتي بنتيجةٍ عكسيَّةٍ وأنَّه سيسَّبب مشكلاتٍ أكبر من حجم الإثم نفسه، فيجب عليك ألاَّ تتكلَّم درءاً لما قد يحدث من مفاسدٍ وأضرار.

3-أن تقدِّم لهما القدوة:

فتعرض إسلامك في مواقف عمليَّة -مع توضيحٍ بسيطٍ بالكلام كلَّما تيسَّر ذلك- كأن تبرَّ والديك بخدمتهما وطاعتهما في المعروف، وتُحْسِن إلى إخوتك وجيرانك وأقاربك وزملائك وأصحابك، فتزورهم، وتتودَّد إليهم، وتعينهم، وتكظم غيظك، وتغضَّ من بصرك، وتحفظ لسانك عن الغيبة، والنميمة، والسخرية، والكذب، والكلام الفاحش، وتكون عادلاً متوسِّطاً معتدلا، أقرب للتيسير في كلِّ تصرُّفاتك، كما قال صلى الله عليه وسلم"يسِّروا ولا تُعَسِّروا وَبَشِّروا ولا تُنَفِّروا"رواه البخاري، وتبتعد عن المعاصي، وتُحسن العبادات، وتلتزم بمواعيدك وعهودك وعقودك، وتُجيد في عملك ومهنتك، وتتعاون مع كلِّ من يمدُّ يده بالخير لمجتمعه.. ونحو ذلك.

3-الزم التدرُّج معهما:

فلقد تدرَّج سبحانه في تحريم الخمر، وراعى نشأة العرب على الخمر وارتباط حياتهم بها، ففهَّمهم أنَّ فيها أضرارا، كغياب العقل الذي هو أساس العمل والإنتاج، وأنَّ فيها بعض المنافع كالتجارة فيها والتربُّح منها، لكنَّ الضرر أكبر، قال تعالى:"يسألونكَ عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما"، وطلب منهم الامتناع عنها قبل الصلاة بفترةٍ حتى يدركوا معاني الصلاة، قال تعالى:"يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأَنتم سُكَارَى حتى تعلموا ما تقولون"، فلمَّا أحبُّوا الله تعالى ورسوله والإسلام، وفهموا أنَّ فيه مصلحتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، طلب الله عزَّ وجلَّ منهم الامتناع عنها نهائيّا، قال تعالى:"إنَّما الخمر والمَيسِر والأنصاب والأزْلام رِجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلَّكم تُفلحون".

فعليك أن تبيِّن لهما -بالودِّ والحبِّ والتدريج- الحلال والحرام، والصواب والخطأ، ومنافع الأوَّل وأضرار الثاني، لكن ليس عليك أن تجبرهما على اتِّباعه، يقول تعالى:"لا إكراه في الدين"، ويقول:"ليس عليك هداهم"، وذلك لأنَّ الإسلام -لعظمته- لا يقبل أن يكون أتباعه مجبَرين عليه، بل هم الذين يسعون إليه ويحرصون عليه لمصلحتهم، فإن بدءوا في التغيُّر وتدرَّجوا، فالله عونهم،"إنَّ الله لا يُغَيِّر ما بقومٍ حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم".

4-لا تنسَ رصيد الفطرة:

اطمئنَّ إلى أنَّ معك رصيد الفطرة فيهم، والتي مع دوام التذكرة وحسن المعاملة ستتحرك للحقِّ يوماً ما إن شاء الله تعالى، وقد تغيَّر من قبلُ خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، فأصبحوا حماةً للإسلام بعد أن كانوا جبابرةً ضدَّه.

5-احذر أمرين:

-لا تفكِّر في هجرهما ومقاطعتهما واعتزالهما، فإنَّ هذه خسارةٌ عليك وعلى الإسلام؛ إذ لن تتمكَّن من أداء واجب دعوتهما وتبصيرهما، وستخسر مقام الرجال وتكون من الجبناء، قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى:"الزهَّاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالةٌ حسنةٌ إذا لم تمنع من خير، إلا أنَّها حالة الجبناء، فأمَّا الشجعان فهم يتعلَّمون ويُعَلِّمون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام".

-إيَّاك والجدال، فإنَّه مضيعةٌ للأوقات وإيغارٌ للصدور، قال صلى الله عليه وسلم"أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنَّة لمن ترك المِرَاء وإن كان مُحِقّا"رواه أبو داود بسندٍ حسن.

أمَّا لو ثبت لك -أخي الكريم- بالدليل القاطع الذي لا يحتمل أيَّ تأويلٍ أنَّهما من الكفار، بأن يفعلا بصورةٍ واضحةٍ أمراً من الأمور الثلاثة السابق ذكرها -وهو الواضح من حديثك خاصَّةً من أحدهما- فالمطلوب منك أن تعلم أنَّ الأصل في معاملتهما الإحسان والعدل، يقول تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرِجوكم من دياركم أن تَبَرُّوهم وتُقسطُوا إليهم إنَّ الله يحبُّ المُقسِطين"؛ وذلك لأنَّ المعاملة الحسنة قد تهديهما إلى الحقِّ والخير، ولقد زار النبيُّ صلى الله عليه وسلم غلاماً يهوديًّا مريضاً كان يخدمه، فأسلم ذلك الصبيُّ اليهودي، كما في الحديث الذي رواه الإمام البخاريّ، كما أنَّ المعاملة الحسنة تجنِّب المسلمين شرورهما وإفسادهما إن وُجِد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت