وإذا كان بوسع اشكروفت - في بلده- أن يشرع القوانين لمحاصرة المسلمين في الولايات المتحدة وتطويقهم وإرهابهم، فلا أظن أن نفس الظروف قائمة في العراق، وإذا حاول الأمريكان تجاهل ذلك فإنهم يرتقون مرتقى صعباً وسيدفعون ثمناً باهظاً في العراق وفي الجزيرة العربية، فلقد اصبح واضحاً للقاصي والداني أن ما تسميه إدارة بوش"الحرب على الإرهاب") صارت"الحرب على الإسلام"، وما يدور في العراق هذه الأيام خير برهان.
بقلم د . عبدالله النفيسي
تُبدي الإدارة الأمريكية الحالية وهي تتعامل مع الملف العراقي حرصا بارزا على إقصاء الإسلام بعيدا تماما عن أي موقع من شأنه أن يؤثر من خلاله على شئون الدولة القادمة في العراق.
حرص الأمريكان من خلال إشراف إدارة بريمر على مجلس الحكم الحالي على صياغة دستور علماني يفصل الدين (الإسلام) عن الدولة، أي يفصل عملية التعليم والثقافة والتربية والتخطيط الاجتماعي وشئون المرأة وغير ذلك من أبعاد البنى التحتية للدولة عن الإسلام أو ضرورة الالتزام بثوابته، وترك هذه الأمور المتعلقة بمستقبل العراق في مهب الريح للاجتهادات الفردية التي - بالضغط والترغيب والترهيب والتضليل الإعلامي الأمريكي- سوف تُفضي بالعراق إلى تشكيل (بؤرة علمانية) في محيط وجوار الجزيرة العربية ذات التكوين الديني والانعطاف التاريخي للتقاليد والموروثات الاسلامية، فتصريحات رمسفيلد المتكررة بأن الولايات المتحدة (لن تسمح للتشدد الإسلامي أن يسود في العراق) ، تتضمن إعلان حرب من الولايات المتحدة على أية بادرة (إسلامية) في العراق سواء في مجال المرأة أو التشريع أو الثقافة والتعليم والإعلام وغير ذلك، واتهام أي انعطاف تجاه الإسلام على أنه ضرب من ضروب التشدد والتزمت.
لقد اصطلح بريمر مع الحزب الشيوعي العراقي في سبيل تعزيز قوة الجهات السياسية المضادة للإسلام في مجلس الحكم الانتقالي. فحميد جاسم عيّنه عضوا في مجلس الحكم، وحميد جاسم هو الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي، وأما مفيد الجزائري (عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي) فقد عينه بريمر وزيرا للثقافة في العراق، وغريب فعلا أن يتولى الجزائري هذه الحقيبة الخطيرة والهامة في بلد كالعراق يضجّ ويزدحم بالتنظيمات الاسلامية المنتمية للثقافة الإسلامية.. أليس في ذلك استفزاز ظاهر للعيان؟ أن يتولى شخص ملحد وكافر بالدين وثوابته ويُكلف بصياغة الثقافة العامة في بلد، للتو خرج من قمقم الثقافة البعثية ذات النزعة الضيقة ليدخل من جديد في نفق أحفاد شلومو دلال ويهودا إبراهيم صادق، الآباء المؤسسون اليهود للحزب الشيوعي العراقي. وفي مقابلة مشتركة بين مندوب رويترز في بغداد ومفيد زكريا وزير الثقافة في بغداد وعبداللطيف السعدي رئيس تحرير جريدة (طريق الشعب) الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي، يقول مفيد زكريا مايلي: (كنا في الخمسينيات في وضع اجتماعي أفضل في العراق، إذ كنا أيامها مجتمعاً علمانياً إلى حد كبير، أستطيع بكل سهولة أن ألقي محاضرة حول: هل الله موجود فعلاً أم غير موجود؟، أما الآن فقد انتكس الوضع الاجتماعي في العراق(لاحظ!) ولا أتجرأ بإلقاء محاضرة حول هذا الموضوع لأن الجمهور العراقي أصبح متعاطفا مع الدين، أو بعبارة أدق منحاز دينياً) انتهى.
أظن أن هذا التصريح يكفي لنتبين حقيقة شخصية مفيد زكريا وزير الثقافة في بغداد واتجاهاته الثقافية وموقفه من الإسلام وثوابته وعلى رأس ذلك الإيمان بالله سبحانه وتعالى، إذن تخيل المفاهيم (الثقافية) التي ستبثها وزارة بريمر للثقافة في بغداد؟.
نلاحظ أن الإدارة الأمريكية في العراق حريصة كل الحرص على تشكيل (وقائع على الأرض) في العراق تكون معيقة ومانعة لأي انعطاف إسلامي في العراق، وذلك تحت سياسة التخويف والترهيب والتحذير من شيوع الإرهاب ومدارسه الفكرية في العراق. حتى مدارس تحفيظ القرآن وحلقات الذكر في المساجد تقلقهم ولا ننسى مراسل السي آن آن CNN في بيشاور وهو يقف في فصل أطفال لا يتجاوز أكبرهم سناً الثامنة وهم منكبون على مصاحفهم يحفظون قصار السور ولهم طنين كطنين النحل، أشار إليهم ذلك المراسل وقال: (هذا هو مطبخ الإرهاب. ) .
نفس هذه الحساسية من الإسلام تتشبع بها إدارة بريمر وذلك يُنذر بارتطام تاريخي بين ما تريده الولايات المتحدة وبين ما تقرره أمة الاسلام في العراق وغيره.
وإذا كان بوسع اشكروفت - في بلده- أن يشرع القوانين (Pat r iotic Act) لمحاصرة المسلمين في الولايات المتحدة وتطويقهم وإرهابهم، فلا أظن أن نفس الظروف قائمة في العراق، وإذا حاول الأمريكان تجاهل ذلك فإنهم يرتقون مرتقى صعباً وسيدفعون ثمناً باهظاً في العراق وفي الجزيرة العربية، فلقد اصبح واضحاً للقاصي والداني أن ما تسميه إدارة بوش"الحرب على الإرهاب") صارت"الحرب على الإسلام"، وما يدور في العراق هذه الأيام خير برهان.